25 May
25May

نشأ نظام حوكمة الشركات نتيجةً لوجود خلل في القواعد والقوانين ذات الصلة بممارسة الأعمال التجارية وبالتالي انتشار ظاهرة الإفلاس والتعثر المالي للكثير من الشركات، لذا كان نظام الحوكمة بمثابة حماية لهذه الشركات وتحقيق نموها وازدهارها واستمراريتها. 

وتتمثل أهم مسئوليات مجلس إدارة الشركة في تحديد الأهداف والغايات والاستراتيجيات وتوفير القيادة والإشراف على الإدارة وتقديم التقارير إلى المساهمين بشكل دوري، ومع ذلك فقد تتعارض بعض قرارات مجلس الإدارة مع المساهمين وأصحاب المصالح، فكيف يتم الموائمة بينهما؟

في هذه الحالات وما يشبهها تكمن اهمية حوكمة الشركات بشكل عام والتي تسعى إلى تحقيق أهداف اقتصادية ورقابية واجتماعية وقانونية على نحو ما سيرد في السطور التالية، وكيف أنها السبيل الأمثل لتجنب الكوارث الهائلة قبل وقوعها، وإنقاذ الشركات من الفشل وسوء الأداء والتعرض للإفلاس. 


ماذا يُقصد بـ حوكمة الشركات؟

يُقصد بـ حوكمة الشركات -في أبسط تعريف لها- مجموعة القواعد والعلاقات التي تهدف إلى مواءمة مصالح مجلس الإدارة وأصحاب الأعمال لضمان استمرارية الشركة.

على سبيل المثال، قد يتطلع مجلس إدارة الشركة إلى زيادة سعر السهم على المدى القصير، الأمر الذي قد يؤثر على استقرار الشركة على المدى الطويل، ولا يتناسب هذا مع المساهمين، لذا تم فرض نظام حوكمة الشركات بهدف ضمان عمل مجلس الإدارة لصالح مالكي الشركة وأصحاب المصلحة فيها.

ويتم وضع هذه القوانين من قبَل الحكومات أو يتم الاتفاق عليها بين مجلس الإدارة وأصحاب المصالح في الشركة، وبالتالي سيكون لكل شركة نظام حوكمة مختلف، ولكنه يعتمد بصفة عامة على الشفافية ومساءلة مجلس الإدارة للتأكد من أن الشركة يتم مراقبتها بطريقة تعود بالفائدة على أصحاب المصلحة جميعهم من مساهمين وموردين وعملاء وما إلى ذلك.


أهم مبادئ حوكمة الشركات

تضمن حوكمة الشركات أن كل فرد في المؤسسة يتبع التعليمات والقرارات المناسبة التي تتمتع بمستوى عالي من الشفافية، وأن حقوق جميع أصحاب المصالح في الشركة من مديرين ومساهمين وموظفين وموردين وعملاء وغيرهم محمية تمامًا.

وتشير الحوكمة إلى عدد من المبادئ والقوانين والممارسات التي تحدد آليات إدارة الشركة وحقوق ومسئوليات الشركاء وأصحاب المصالح فيها، وتساهم في جذب رأس المال البشري والمالي، وتساعد على العمل بكفاءة وتوفر قيمة اقتصادية عالية على المدى الطويل، وتتمثل أهم هذه المبادئ فيما يلي:

- هيكلة الحوكمة، وتتضمن تحديد مجلس إدارة فعال، وتحديد المسئوليات داخل الشركة بشكل واضح.

- هيكلة مجلس الإدارة واللجان التابعة له، بحيث يتضمن مجموعةً مناسبةً من المديرين التنفيذيين والمديرين المستقلين، كما يجب أن يكون حجم المجلس وتنوعه يتناسب مع تطور وحجم الشركة.

- إجراءات تعيين المدير، ويجب أن يكون التعيين رسميًّا وبشكل صارم على أساس الجدارة والمهارات والمعرفة والخبرة والاستقلالية.

- تحديد واجبات أعضاء مجلس الإدارة، والذي يتعين عليهم مراعاة وتعزيز المعايير الأخلاقية العالية، وتخصيص الوقت الكافي لأداء واجباتهم بشكل فعال.

- ضمان قيام المؤسسة بتطوير وتنفيذ نظام شامل وقوي لإدارة المخاطر. 

- تقديم تقييم عادل ومتوازن وواضح للوضع المالي والبيئي والاجتماعي وأداء الشركة وتوقعاتها في تقرير سنوي. التدقيق الداخلي الفعال والمستقل، والذي يتمتع باحترام وثقة كل من مجلس الإدارة وأصحاب المصالح في الشركة.

- احترام مصالح المساهمين وأصحاب المصلحة الآخرين في الشركة.

دعنا نضع في اعتبارنا أيضًا أنه يتعين على مجلس إدارة الشركة أن يقدم تقييمًا متوازنًا لتوجهات الشركة وموقفها، ويحدد طبيعة المخاطر التي يكون على استعداد لتحملها، ويضع استراتيجيات رسمية وشفافة لتقارير الشركة وإدارة المخاطر ويحافظ على علاقة جيدة مع مدقق حسابات الشركة ويتواصل مع أصحاب المصالح على فترات منتظمة ويقيّم بشكل عادل وواضح مدى تحقيق الشركة لأهدافها التجارية.


لماذا نحتاج إلى نظام حوكمة الشركات؟

تحقيق العدالة والشفافية والإفصاح والمساءلة بالشركة.

- امتثال الشركات للقواعد واللوائح الداخلية والخارجية المختلفة. تحديد العلاقة بين إدارة الشركة ومجلس الإدارة والمساهمين وأصحاب المصالح.

- إحداث التوازن في حالات تعارض المصالح بين إدارة الشركة وأصحاب المصالح والمستثمرين والمساهمين فيها.

- زيادة ثقة المستثمرين والمساهمين في الشركة.

- ضمان تلبية جميع المتطلبات القانونية والتنظيمية والامتثال لها بشكل كامل وفي الوقت المناسب. وضع أهداف إستراتيجية طويلة المدى للشركة. جذب الاستثمارات وزيادة معدلات النمو، فضلًا عن الاستغلال الأمثل للموارد.

- زيادة القيمة السوقية لأسهم الشركات وإتاحة فرص الحصول على التمويل على المستوى المحلي والدولي. تحديد الآليات والإجراءات التي يتم من خلالها تحقيق هدف الوحدة الاقتصادية.

- حماية حقوق المساهمين والمستثمرين سواءً كانوا داخل الشركة أو خارجها.

- تحقيق أهداف الشركات وتحسين أدائها على أساس قانوني واقتصادي سليم. معالجة الغش والاحتيال وكافة الممارسات غير المقبولة على المستوى المادي والأخلاقي.

- تحسين جودة المنتجات والخدمات وزيادة قدرتها التنافسية في الأسواق المحلية والعالمية.

ولتحقيق ما سبق، ينبغي أن تكون يجب أن تكون مبادئ حوكمة الشركات جيدة التنفيذ، بحيث يتم التخلص من المشكلات التي تنطوي على التحيز والمحاباة والقضاء عليها.

علاوةً على ذلك، يتحقق الاتساق في الشركة وتعزيز إنتاجيتها وكفاءتها، واكتشاف أخطائها التي قد تؤثر عليها، ومشاركة الخبرات بين أعضاء مجلس إدارتها، وضمان عمليات تشغيلها بشكل أكثر سلاسة حيث يشترك الجميع في قراراتهم البناءة، وينتج عن ذلك منتجات وخدمات ذات جودة عالية تكسب الشركة سمعةً طيبةً.


اهمية حوكمة الشركات

تتمثل اهمية حوكمة الشركات في كونها إطارًا يساهم في إدارة الشركة بنجاح والموازنة بين مصالح الإدارة والمساهمين والمستثمرين وأصحاب المصالح الأخرى، ومنح أصحاب المصالح نظرةً مستقبلية ثاقبة حول كيفية عمل الشركة واتخاذ القرارات والإجراءات المناسبة وطمأنتِهم إلى أن الشركة يتم إدارتها بكفاءة وشفافية.


على صعيد آخر، يضع نظام حوكمة الشركات قواعد تساهم في تحسين العلاقات بين مجلس الإدارة وأصحاب المصلحة، وضبط التضارب الذي قد يحدث في حال اتخاذ الأفراد داخل الشركة قرارات ضارة تؤثر على أداء الشركة بأكملها.

ويعتبر المستثمرون حوكمة الشركات أمرًا بالغ الأهمية تمامًا مثل مستوى الأداء المالي للشركة في حال تقييمها، وقد أثبتت بعض الاستطلاعات أن المستثمرين العالميين مستعدون للاستثمار بنسب تصل إلى 40% للأسهم في الشركات التي تعتمد نظام حوكمة الشركات حيث يؤدي ذلك إلى زيادة الكفاءة في القطاع المالي.

كذلك، تساهم مبادئ حوكمة الشركات بفاعلية في الحد من الفساد والهدر في الأموال وحماية نزاهة الشركة وتعزيز الإجراءات المحاسبية لها والحد من نفقاتها، الأمر الذي يؤدي إلى تحسين الكفاءة الاقتصادية. 

وكذلك بالنسبة لأي قرارات يتم اتخاذها من قبل المسؤولين في الشركة، فإنها لا بد أن تمر بعملية الموافقة بعد النقد والتحليل، وبالتالي تقليل عدد القرارات الضارة التي قد تتخذها الشركة وتساهم في إلحاق الضرر بأدائها.

تستفيد الشركات أيضًا من تطبيق مبادئ حوكمة الشركات بتحقيق الانفتاح والوصول إلى أسواق المال العالمية بعد اكتسابها ثقة أصحاب المصالح والمستثمرين وضمان حقوقهم وحمايتها.

تساعد حوكمة الشركات على بذل الجهد والعمل الجاد بهدف تحقيق النمو وتحسين الإصلاحات الاقتصادية على المستوى العالمي، حيث يتأهل جيل جديد من أصحاب المشاريع والمستثمرين في مختلف أنحاء العالم.

وبما أن معظم الشركات الكبرى تقدم منتجاتها أو خدماتها في السوق العالمية، فإن عليهم جذب المستثمرين والعملاء الأجانب، وبالتالي يتعين عليهم اتباع القوانين واللوائح الأجنبية، وهذا يتطلب حوكمة الشركات والتي بدونها يستحيل الدخول إلى السوق العالمية والنجاح فيها.

وبالمثل، تحتاج عمليات الاستحواذ والاندماج إلى حوكمة الشركات لضمان حماية مصالح جميع الأطراف.

وإذا كانت بعض الشركات تعاني من الانحرافات والتجاوزات والفساد المالي والإداري وعدم مراعاة المصالح العامة، فإن محاربة ذلك والحد منه يعد إحدى وظائف حوكمة الشركات والتي تتمثل في المتابعة والرقابة والضبط والتحكم والكشف عن مختلف أنواع الفساد، ومن ثم تحقيق الحيادية والنزاهة لجميع الأفراد داخل كيان الشركة، وكذلك الاستقلالية وعدم التعرض لأي نوع من الضغوط الخارجية.

هناك أيضًا الجانب الاجتماعي والذي يهتم به نظام حوكمة الشركات حيث يحقق التوازن بين الأهداف الاجتماعية والاقتصادية فتقدم الشركة ما يؤدي إلى تحسين صورتها وزيادة قبولها لدى المجتمع من توفير فرص للعمل وخدمات صحية وتعليمية تساهم في المستوى المعيشي.

وكما ذكرنا سابقًا، فإن الشركة كيان يضم الكثير من الأفراد من الملاك والعاملين والموظفين والمساهمين وأصحاب المصالح الأخرى، وجميعهم يمكنهم الحصول على حقوقهم بشكل كامل، ويحققون ما يطمحون إليه من فوائد وأهداف عبر تطبيق قواعد ومبادئ حوكمة الشركات.

تضمن الحوكمة الفعالة للشركات الحد من مخاطر حدوث الأزمات المالية والإدارية، حيث يكون مجلس الإدارة على دراية بكافة المخاطر المتوقعة، ووضع أنظمة مناسبة للتحكم فيها.


الشفافية جزء لا يتجزأ من مبادئ حوكمة الشركات

تبني الشفافية سمعة طيبة للشركة، وعندما يثق المساهمون بشركة ما، يصبحون على استعداد تام لزيادة الاستثمار، وبالتالي مساعدة الشركة على خفض تكاليف رأس مالها بشكل كبير.

لذا تعد الشفافية جزءًا أساسيًّا من حوكمة الشركات لأنها تضمن إمكانية الكشف عن كافة ممارسات الشركة في أي وقت من قبل المراقبين الخارجيين، كما يمكِّن الشركة من تقديم إجابات واضحة على أي أسئلة أو استفسارات يطرحونها.

تمكن الشفافية مجالس إدارة الشركات من التخطيط الإستراتيجي بشكل أفضل من خلال الوصول السريع للمعلومات والتواصل الجيد مع الإدارة، وتخصيصٍ أكثر كفاءة للموارد ورأس المال، وفهم البيئة التنظيمية التي تحكم الأعمال، والاستفادة من التكنولوجيا في مجالات الإنتاج والتوزيع والاتصالات وما إلى ذلك.

وبناءً على ذلك، يتعين على كل شركة أن تتحقق من مدى شفافية مجلس إدارتها، وهل هذه الشفافية قابلة للتطبيق على الجميع، فلا ينبغي أن تكون هناك استثناءات في ذلك، بل يحق لجميع أصحاب المصلحة من موظفين إلى مستثمرين من معرفة الممارسات والاتجاهات التي تتجه إليه الشركة.

 خلاصة القول، تتمثل وظائف حوكمة الشركات في توجيه الشركة وإدارتها، وتؤثر على طريقة تحديد أهدافها والعمل على تحقيقها، ومراقبة وتقييم المخاطر وتحسين الأداء والتغلب على تضارب المصالح داخل الشركة، من خلال عملية التفاعل بين مختلف المشاركين -المساهمين ومجلس الإدارة وإدارة الشركة- في تشكيل أداء الشركة وآلية تشغيلها، وتحديد طرق اتخاذ قرارات استراتيجية فعالة وقيمة مضافة متطورة لأصحاب المصلحة.

إن حكومة الشركات مهمة لأنها توفر البنية التحتية التي تعمل على تحسين جودة القرارات التي يتخذها أولئك الذين يديرون الأعمال، فعمليّة صنع القرارات ذات الجودة العالية والأخلاقية تبني أعمالًا مستدامة وتمكنها من خلق قيمة طويلة الأجل بشكل أكثر فعالية.

لقد باتت اهمية حوكمة الشركات أقوى من أي وقت مضى فهي أحد العوامل الرئيسية التي تساهم في تحسين نتائج الشركة ونموها، وتحولها من شركة جيدة إلى شركة عظيمة بفضل ما تحققه من اهتمام بالامتثال للقوانين بسهولة والتي تمكنها من البقاء ملتزمة طوال الوقت وتجنبها الوقوع في أي نوع من المضايقات القانونية. 

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.