18 قراءة دقيقة
15 Jun
15Jun

عندما نوضح بدقة الفرق بين الإفلاس والتصفية، فإننا نستطيع تحديد مصير أي منشأة تواجه ضائقة مالية؛ حيث يعتبر الإفلاس حالة قانونية تعترف فيها الشركة بعدم قدرتها على سداد ديونها مع إتاحة فرصة لإعادة التنظيم والاستمرار، بينما تعد التصفية الإجراء التنفيذي الذي يؤدي إلى إنهاء وجود المنشأة وتحويل أصولها إلى سيولة. 

وربما يتساءل صاحب العمل: متى يجب أن يختار استمرارية المنشأة بدلًا من الاستسلام للتصفية؟ وتعتمد الإجابة على التقييم الواقعي لقدرة الشركة على التعافي، ووجود خطة قابلة للتطبيق لإعادة الهيكلة، ومدى تحقيق استمراريتها لقيمة أعلى للدائنين مقارنةً بتصفية أصولها بشكل مجزّأ.

أنواع الإفلاس في النظام السعودي

ينقسم الإفلاس وفقًا للنظام السعودي إلى ثلاثة أنواع هي:

الإفلاس الحقيقي

وهو الإفلاس الذي يقع فيه التاجر متى توفرت فيه هذه الشروط مجتمعة:

  1. أن يكون قد اشتغل بالتجارة معتمدًا على رأس مال معلوم، كافيًا للعمل في المجال التجاري الذي يمارسه.
  2. أن يكون ممسكًا بدفاتر تجارية منتظمة ومضبوطة.
  3. ألا يكون قد بذّر أو أسرف في مصاريف العمل.
  4. أن يكون توقفه عن الدفع ناتجًا عن أسباب خارجة عن إرادته، كأن تصيب أمواله قوة قاهرة كالحرق أو الغرق، أو أن تلحق به خسائر تجارية ظاهرة وجسيمة.

الإفلاس التقصيري

وهو الإفلاس الذي يوصف به التاجر إذا تحققت فيه الأفعال التالية، والتي تدل على تقصيره وإضراره بالدائنين:

  1. أن يكون مبذرًا في مصاريفه على نحو لا يتناسب مع حالته المالية.
  2. أن يعلم باضطراب مركزه المالي وتوقفه عن الدفع، فلا يبادر إلى الإعلان عن عجزه في وقته المناسب، بل يتعمد كتمانه عن دائنيه.
  3. أن يستمر في ممارسة التجارة والمضاربة رغم علمه بعجزه، قاصدًا بذلك المخاطرة بأموال لم تعد ملكًا له، حتى يستنفد كامل رأس المال.


ومتى ثبتت هذه الأفعال، حكم على التاجر بأنه مفلس تقصيريًّا، ولا ينفعه في دفع هذه التهمة أن تكون دفاتره التجارية منتظمة، لأن العبرة بسلوكه في التصرف وقت الأزمة المالية.

الإفلاس الاحتيالي

يوصف التاجر بالمفلس الاحتيالي إذا ثبت قيامه عن قصد وغش بأي من الأفعال التالية:

  1. استعمال الحيل والوسائل الاحتيالية في إظهار رأس ماله على غير حقيقته.
  2. القيد في دفاتره التجارية لديون وهمية أو كاذبة بأسماء آخرين، أو تحرير سندات "أوراق تجارية" بناءً على تلك الديون الصورية.
  3. نقل ملكية أمواله وعقاراته إلى الغير بطرق صورية بقصد إخفائها عن دائنيه.
  4. إخفاء أي جزء من أمواله عن الدائنين عمدًا.
  5. الاستمرار في ممارسة التجارة بطرق قائمة على التمويه والاحتيال، أو استغلال سذاجة التجار وخداعهم بأي صورة كانت.

أنواع التصفية في النظام السعودي

قسم المشرّع السعودي التصفية إلى مسارين رئيسيين، يمكن تطبيقهما عند تعذّر إنقاذ النشاط التجاري:

التصفية الاختيارية

تتم بقرار إرادي محض من الشركاء أو المساهمين، دون حاجة إلى حكم قضائي ملزم، وتنشأ عادة عن توافق داخلي بين الأطراف المالكة، ومن أبرز دوافعها: انتهاء الغرض الذي أُنشئت الشركة من أجله، أو استمرار انخفاض الأرباح، أو الرغبة في حل الشركة وديًّا، أو إعادة توجيه الاستثمارات إلى مجالات أخرى، أو غياب الجدوى الاقتصادية أو الاستراتيجية من الاستمرار.

التصفية الإجبارية

وهي التي تفرض بقرار قضائي من المحكمة المختصة دون أن يكون للشركاء يد في اتخاذها، وذلك حين تعجز الشركة عن الوفاء بالتزاماتها المالية أو ترتكب مخالفات قانونية جسيمة تمس النظام العام وحقوق الدائنين. 

وتقوم المحكمة بهذا الإجراء إذا عجزت الشركة كليًّا عن سداد ديونها، أو تراكمت التزاماتها المالية فوق طاقتها، أو صدر حكم بإيقاف نشاطها، أو ثبت ارتكابها مخالفات نظامية وتنظيمية جسيمة كالاحتيال والممارسات المالية غير المشروعة ومخالفة الأنظمة التجارية المعمول بها في المملكة.

إجراءات إفلاس الشركات

يمكن إيجاز إجراءات الإفلاس وفقًا للنظام السعودي الجديد على النحو التالي:

إجراءات إفلاس الشركات
  1. الاستعانة بمحامٍ مختص لفحص وضعك المالي والقانوني.
  2. تجهيز المستندات المالية المطلوبة التي تثبت أصولك وديونك ودخلك.
  3. تقديم طلب افتتاح الإجراء إلى المحكمة التجارية مرفقًا به أسباب تعثرك.
  4. تعيين أمين للإفلاس من المحكمة لتولي إدارة الإجراءات وتقييم أصولك.
  5. إشعار الدائنين بفتح الإجراء رسميًّا لإتاحة الفرصة لهم لتسجيل مطالباتهم.
  6. جرد الأصول وتقييمها لتحديد قيمتها السوقية الحقيقية.
  7. تدقيق الديون المقدمة من الدائنين والتأكد من صحتها.
  8. محاولة الاتفاق على خطة تسوية مع الدائنين لإعادة هيكلة الديون وتمكينك من الاستمرار.
  9. تصفية الأصول وتوزيع حصيلتها على الدائنين وفق أولويات النظام، إذا تعذر الوصول إلى تسوية.

إجراءات تصفية الشركات

تتمثل إجراءات التصفية للشركات المتعثرة وفقًا للنظام السعودي الجديد فيما يلي:

إجراءات تصفية الشركات
  1. صدور قرار التصفية إما بقرار طوعي من الشركاء، أو بحكم قضائي من المحكمة التجارية.
  2. تحدد المحكمة أو الشركاء شخصًا محايدًا يتولى مهمة التصفية، وتوضح صلاحياته وواجباته.
  3. يقوم المصفّي بحصر جميع أصول الشركة وديونها، وترتيب الدائنين حسب أولويات السداد المنصوص عليها نظامًا.
  4. يخطر المصفّي وزارة التجارة وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك لضمان تسوية الالتزامات الحكومية أولًا.
  5. ينشر إعلان التصفية في الصحف الرسمية لإشعار جميع الدائنين بوجوب تقديم مطالباتهم خلال المدة المحددة.
  6. تسدد الالتزامات المستحقة وفقًا للترتيب القانوني للأولويات.
  7. إن تبقى فائض بعد سداد الديون كافة، يوزع على الشركاء بنسبة حصصهم في رأس المال.
  8. يتم إلغاء السجل التجاري للشركة رسميًّا بعد الانتهاء من كل الإجراءات والتأكد من إنهاء الذمة المالية.


نلاحظ مما سبق أن الفرق بين الإفلاس والتصفية في النظام السعودي يتمثل في أن الإفلاس حالة قانونية شاملة تفتتح بإجراء قضائي لمعالجة تعثر المدين، وقد تنتهي بإنقاذ النشاط عبر تسوية أو إعادة تنظيم، أو بإنهائه عبر التصفية. 

أما التصفية فهي إجراء تنفيذي بحت يهدف إلى بيع الموجودات وتوزيع حصيلتها على الدائنين وشطب السجل التجاري، وهي ليست مرادفة للإفلاس، بل مجرد أحد مساراته النهائية حين يتعذر الاستمرار، وقد تتم التصفية اختياريًّا خارج نطاق الإفلاس وفقًا لنظام الشركات، إذا كانت الشركة مدينة وقادرة على سداد ديونها.

التصفية الاختيارية للشركات

هي إجراء قانوني يهدف إلى إنهاء الشخصية الاعتبارية للشركة وتصفية أصولها وخصومها، بقرار صادر عن الشركاء أو المساهمين دون حاجة إلى تدخل قضائي. 

يضمن هذا الإجراء إنهاء النشاط التجاري بصورة منظمة تحمي مصالح جميع الأطراف، وتقوم فلسفتها على ثلاثة أهداف رئيسية: حماية حقوق الدائنين والموظفين عبر تسوية الالتزامات المالية كاملة، وإنهاء الوجود القانوني للشركة دون ترك أي ديون معلقة، ومنع النزاعات المستقبلية بين الشركاء أو مع الغير بعد شطب السجل التجاري.

طريقة التصفية باختلاف نوع الشركة

تختلف إجراءات التصفية باختلاف الشكل القانوني للشركة، حيث يشترط في الشركة ذات المسؤولية المحدودة موافقة الجمعية العامة للشركاء، ويعتمد على اتفاقية التأسيس في توزيع الأصول. 

أما شركة التضامن فتتطلب إجماع جميع الشركاء، ويمكن اللجوء إلى القضاء لتعيين مصفٍّ عند النزاع، في حين تخضع الشركة المساهمة لإجراءات أشد تعقيدًا تستوجب موافقة الجمعية العمومية غير العادية وتعيين المصفي بموافقة المساهمين.

حقوق الأطراف المعنية أثناء التصفية الاختيارية للشركات

رتب المشرع السعودي حقوقًا متدرجة الأولوية أثناء التصفية، حيث يأتي الدائنون في المرتبة الأولى، في تسديد التزاماتهم كاملة من الأصول السائلة أو من حصيلة بيع الأصول الثابتة، ضمانًا لاستقرار المعاملات، ويليهم الموظفون، حيث تصرف رواتبهم المتأخرة ومكافآت نهاية الخدمة والبدلات المستحقة وفقًا لنظام العمل. 

وبعد الوفاء بهذين الصنفين، يتم توزيع الفائض على الشركاء والمساهمين بنسبة ما يملكونه في رأس المال، بهدف تحقيق العدالة وإنهاء العلاقة التعاقدية بينهم بشكل يمنع نشوء أي نزاعات مستقبلية.

الفرق بين حل الشركة وتصفية الشركة

يعد حل الشركة وتصفية الشركة مرحلتين متتاليتين لكنهما يختلفان على النحو التالي:

حل الشركة هو القرار الرسمي بإنهاء وجود الشركة ككيان قانوني، ويتضمن إلغاء تسجيلها القانوني وإنهاء جميع أنشطتها، ويتم هذا القرار باتفاق الشركاء، أو بانتهاء المدة المحددة للشركة، أو بصدور حكم قضائي.

تصفية الشركة وهي الإجراءات القانونية والمالية التي تلي قرار الحل مباشرة، وتهدف إلى تحويل أصول الشركة إلى سيولة نقدية، وسداد جميع ديونها والتزاماتها، ثم توزيع المتبقي على الشركاء.

مع ملاحظة أن الشركة تحتفظ خلال فترة التصفية بشخصيتها الاعتبارية بالقدر اللازم لإتمام أعمال التصفية فقط، ويضاف إلى اسمها عبارة "تحت التصفية".

قد يختلط على أصحاب الأعمال فهم الفرق بين الإفلاس والتصفية، الأمر الذي قد يتسبب في وقوع الشركات في قرارات مصيرية خاطئة؛ وهنا يبرز الدور الأساسي للمحامي المتخصص في إزالة هذا الالتباس، حيث يوضح أن التصفية هي إنهاء قانوني لشركة قادرة على سداد ديونها بفعل إرادة الشركاء أو لانتهاء أجلها، بينما يعد الإفلاس -بموجب نظام الإفلاس السعودي- إجراءً قانونيًّا يتخذ عند تعثر الشركة ماليًّا وعدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، ويتم إدارته تحت إشراف قضائي صارم، وقد يتضمن خيارات مثل إعادة التنظيم المالي أو التسوية الوقائية قبل اللجوء إلى التصفية كحل أخير.

وباعتبار الإفلاس حالة قانونية مختلفة تمامًا تتطلب خبرة عميقة، يصبح من الأهمية بمكان الاستعانة بمحامي ليقوم بدوره كمستشار استراتيجي يبدأ بعملية تقييم دقيقة للوضع المالي للشركة لتحديد المسار النظامي المناسب: هل الأنسب هو التصفية الاختيارية، أم التوجه مباشرةً لإجراءات الإفلاس التي قد تتيح فرصة لإنقاذ الأعمال؟ 

يتحمل المحامي في هذه الحالة مسؤولية إعداد التقارير المتكاملة للمحكمة ولجنة الإفلاس والتأكد من الالتزام بكافة الإجراءات القانونية أًّيا كانت درجة تعقيدها، وبالتالي يصبح التعاقد مع المحامي المتخصص خطوة أساسية لحماية حقوق جميع الأطراف وتحقيق المسار القانوني الأكثر عدالة وكفاءة، سواء بانتهاء الكيان التجاري بطريقة منظمة أو بمنحه فرصة جديدة للانتعاش المالي.

إن معرفة الفرق بين الإفلاس والتصفية قد يكون المنقذ الوحيد لشركتك من الانهيار الكامل، ونحن نقدم لك في مكتب سهل للمحاماة استشارة قانونية دقيقة لتحديد ما إن كنت بحاجة لإجراءات التصفية أو إعادة التنظيم المالي ضمن الإفلاس.. اتصل بنا اليوم لحجز استشارة قانونية، وكن على ثقة بأن مستقبلك التجاري بين أيدٍ خبيرة تحمي حقوقك وتمنحك الحلول القانونية الناجحة.


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.