تمثل الهيئة العامة للمنافسة في المملكة العربية السعودية الجهة الرقابية للسوق، وقد ظهر دورها بشكل أكبر مع التحول الاقتصادي الكبير الذي تشهده المملكة ضمن رؤية 2030، والذي خلق بيئةً جاذبةً لصفقات الاندماج والاستحواذ الكبرى، التي تجاوزت قيمتها 1.97 تريليون ريال في عام 2025 وحده.
وتتمثل مهام الهيئة في الموافقة على هذه الصفقات وتحديد شكل الاندماج نفسه عبر فرض اشتراطات علاجية وتصحيحية، قد تصل إلى تفكيك أصول معينة لضمان استدامة الحياد التنافسي.
نهدف في هذا المقال إلى اكتشاف الجوانب القانونية والتنظيمية والإجرائية لدور الهيئة العامة للمنافسة في عمليات الاندماج الكبرى، وذلك عبر تقديم رؤية متكاملة عن دورة عملها؛ بدءًا بمرحلة التقديم، ثم مرحلة الدراسة المتعمقة، وأخيرًا مرحلة البت في الطلب وإصدار القرار.
يهدف نظام المنافسة الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/75) وتاريخ 29/6/1440هـ إلى حماية المنافسة العادلة وتشجيعها، ومكافحة الممارسات الاحتكارية التي تؤثر في المنافسة المشروعة، من خلال وضع قواعد واضحة تنظم سلوك المنشآت في السوق.
ويطبَّق النظام على جميع المنشآت العاملة داخل المملكة، سواء كانت سعودية أم أجنبية، كما يشمل الأنشطة الواقعة خارج حدودها إذا كان أثرها مخلًّا بالمنافسة داخل السوق السعودي.
يحظر نظام المنافسة السعودي الممارسات التي تقيد المنافسة، والتي تشمل الاتفاقيات بين المنشآت المتنافسة لتحديد الأسعار، أو تقسيم الأسواق، أو التواطؤ في العطاءات، أو تقييد الإنتاج.
كما يحظر النظام إساءة استغلال الوضع المهيمن، حيث تعتبر المنشأة "مهيمنة" إذا تجاوزت حصتها السوقية 40%، أو كانت قادرة على التأثير في الأسعار السائدة في السوق، وهو بند بالغ الأهمية في تقييم عمليات الاندماج، حيث يضمن عدم نشوء كيانات احتكارية تسيطر على سوق بأكمله.
تستفيد الشركات -خاصةً الناشئة منها- من صفقات الاندماج والاستحواذ عبر مسارات متعددة، أهمها:
تنعكس هذه الديناميكية بشكل إيجابي على السوق السعودي، حيث تساهم في تسريع التحول الرقمي، خاصةً في مجالات مثل البرمجيات كخدمة "SaaS" والتقنيات المالية "FinTech" والذكاء الاصطناعي.
كما تعمل على رفع مستوى المنافسة، وجذب الاستثمارات الدولية، وتمكين الابتكار المحلي، حيث تتيح للشركات السعودية الصغيرة نقل خبراتها وتوسيع نطاقها بسرعة.
الهيئة العامة للمنافسة "GAC" هي الجهة المسؤولة عن تطبيق نظام المنافسة، ومكافحة الممارسات الاحتكارية، وتعزيز المنافسة العادلة وحمايتها، والمحافظة على البيئة التنافسية لقطاع الأعمال، وتتولى الهيئة مجموعة واسعة من المهام تشمل:

وتمتلك الهيئة صلاحيات واسعة لفرض العقوبات على المخالفين، حيث قد تصل الغرامة إلى 10% من إجمالي قيمة المبيعات السنوية، أو ما لا يتجاوز 10 ملايين ريال سعودي عند استحالة تقدير المبيعات السنوية في حالة ثبوت مخالفة نظام المنافسة.
يعرّف نظام المنافسة السعودي التركز الاقتصادي بأنه كل عمل ينشأ عنه نقل كلي أو جزئي لملكية أو حقوق انتفاع من ممتلكات أو حقوق أو أسهم أو حصص أو التزامات من منشأة إلى منشأة أخرى، بحيث يمكنها من الهيمنة بصورة مباشرة أو غير مباشرة على منشأة أخرى.
تشمل عمليات التركز الاقتصادي ثلاثة أشكال رئيسية، هي:
ويلزم النظام المنشآت التي ترغب في الاندماج أو الاستحواذ بإبلاغ الهيئة العامة للمنافسة والحصول على موافقتها المسبقة، ويجب الإبلاغ إذا توافرت ثلاثة شروط متراكمة، وقبل 90 يوما على الأقل من إتمام الصفقة:
تنظر الهيئة العامة للمنافسة إلى كل من عمليات الاندماج والاستحواذ باعتبارها أنماطًا من "التركز الاقتصادي"، وبالتالي تخضع كلتا العمليتين لنفس الإجراءات والمعايير الرقابية، شريطة أن تتجاوز إجمالي مبيعات الأطراف المعنية الحدود المحددة نظامًا والتي تستوجب الإبلاغ.
ويكمن الفرق الوحيد بينهما في جانبهما القانوني والهيكلي لا غير؛ حيث يترتب على الاندماج ذوبان الكيانات المندمجة وزوال شخصيتها القانونية المستقلة لتحل محلها شخصية جديدة، بينما يحافظ الاستحواذ على كيان المنشأة المستهدفة مع انتقال السيطرة عليها إلى المنشأة المستحوذة.
تتضمن عملية الموافقة على عمليات الاندماج الضخمة عدة مراحل متسلسلة تضمن الشفافية والدقة في التقييم، على النحو التالي:
تعتبر الهيئة العامة للمنافسة السعودية من أسرع هيئات المنافسة في العالم في إنجاز المراجعات، حيث بلغ متوسط فترة المراجعة 5.4 أيام فقط بعد قبول الطلب كاملًا.
وقد أصدرت الهيئة في عام 2025 ما مجموعه 271 شهادة عدم ممانعة و135 شهادة عدم وجوب إبلاغ.
تبدأ الهيئة العامة للمنافسة رحلة الإجراءات التصحيحية عندما تكشف عملية التقييم التي تجريها عن مخاوف جدية تتعلق بالمنافسة قد تنجم عن عملية الاندماج.
في هذه الحالة، تنتقل الهيئة من مرحلة التقييم إلى مرحلة التفاوض مع الأطراف المعنية حول مجموعة من الإجراءات والعلاجات المصممة خصيصا لمعالجة هذه المخاوف، واستعادة التوازن التنافسي في السوق المعني.
تتبنى الهيئة نهجًا مرنًا في هذا الشأن، حيث تختلف الإجراءات باختلاف طبيعة الصفقة والقطاع المعني والمخاوف المحددة التي تثيرها، وتتنوع أشكال هذه الالتزامات بين السلوكية والهيكلية، وغالبا ما تجمع بينهما. جدير بالذكر أيضًا أن الهيئة يمكنها أن تشترط على الكيان المدمج الالتزام ببرنامج امتثال لقوانين المنافسة، ورفع تقارير دورية لضمان الالتزام المستمر بالشروط الموضوعة.
تنقسم التدابير التصحيحية إلى نوعين هما: التدابير الهيكلية والتدابير السلوكية، وفيما يلي توضيح كل منهما:
التدابير الهيكلية، تتضمن تعديلًا في بنية وأصول الشركات المندمجة لتوليد منافس جديد أو دعم منافس قائم، ومثالها: إلزام الكيان الجديد ببيع عدد من الفروع، أو التنازل عن خط إنتاج معين، أو التخلي عن رخص تجارية لصالح منافس آخر.
التدابير السلوكية، وهي عبارة عن التزامات وتعهدات تلتزم بها الشركة المندمجة حول كيفية تصرفها في السوق مستقبلا، ومثالها: التعهد بعدم رفع أسعار خدمات معينة، أو الاستمرار في توريد المواد الخام للمنافسين بنفس الشروط السابقة دون تمييز.
تحقق الرقابة التي تفرضها الهيئة العامة للمنافسة على عمليات الاندماج الضخمة العديد من الفوائد التي تعود بالنفع على كافة أطراف العملية الاقتصادية، ومن ذلك:
نظرًا لما لمسناه من أثر بالغ للاندماجات الضخمة، فإن النظام يتعامل بحسم شديد مع إتمام هذه الصفقات قبل موافقة الهيئة العامة للمنافسة، فإذا قامت المنشآت الخاضعة لحدود الإبلاغ النظامية بإتمام صفقة الاندماج أو البدء في إجراءات الأثر الاقتصادي الفعلي مثل دمج الإدارات أو العمليات البيعية، دون الحصول على قرار "عدم ممانعة" رسمي، فإنها تواجه عقوبات رادعة تشمل: غرامات مالية باهظة قد تصل إلى نسب مئوية محددة من إجمالي المبيعات السنوية لأطراف الصفقة، أو غرامات مقطوعة بملايين الريالات، وإلزام المنشآت بتفكيك الاندماج وتعديل أوضاعها وإعادة الوضع إلى ما كان عليه على نفقتها الخاصة، بطلان التصرفات القانونية الناتجة عن هذه الصفقة غير القانونية.
