17 قراءة دقيقة
05 Jul
05Jul

تمثل الهيئة العامة للمنافسة في المملكة العربية السعودية الجهة الرقابية للسوق، وقد ظهر دورها بشكل أكبر مع التحول الاقتصادي الكبير الذي تشهده المملكة ضمن رؤية 2030، والذي خلق بيئةً جاذبةً لصفقات الاندماج والاستحواذ الكبرى، التي تجاوزت قيمتها 1.97 تريليون ريال في عام 2025 وحده. 

وتتمثل مهام الهيئة في الموافقة على هذه الصفقات وتحديد شكل الاندماج نفسه عبر فرض اشتراطات علاجية وتصحيحية، قد تصل إلى تفكيك أصول معينة لضمان استدامة الحياد التنافسي.

نهدف في هذا المقال إلى اكتشاف الجوانب القانونية والتنظيمية والإجرائية لدور الهيئة العامة للمنافسة في عمليات الاندماج الكبرى، وذلك عبر تقديم رؤية متكاملة عن دورة عملها؛ بدءًا بمرحلة التقديم، ثم مرحلة الدراسة المتعمقة، وأخيرًا مرحلة البت في الطلب وإصدار القرار.

نظام المنافسة السعودي

نظام المنافسة السعودي

يهدف نظام المنافسة الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/75) وتاريخ 29/6/1440هـ إلى حماية المنافسة العادلة وتشجيعها، ومكافحة الممارسات الاحتكارية التي تؤثر في المنافسة المشروعة، من خلال وضع قواعد واضحة تنظم سلوك المنشآت في السوق. 

ويطبَّق النظام على جميع المنشآت العاملة داخل المملكة، سواء كانت سعودية أم أجنبية، كما يشمل الأنشطة الواقعة خارج حدودها إذا كان أثرها مخلًّا بالمنافسة داخل السوق السعودي.

يحظر نظام المنافسة السعودي الممارسات التي تقيد المنافسة، والتي تشمل الاتفاقيات بين المنشآت المتنافسة لتحديد الأسعار، أو تقسيم الأسواق، أو التواطؤ في العطاءات، أو تقييد الإنتاج. 

كما يحظر النظام إساءة استغلال الوضع المهيمن، حيث تعتبر المنشأة "مهيمنة" إذا تجاوزت حصتها السوقية 40%، أو كانت قادرة على التأثير في الأسعار السائدة في السوق، وهو بند بالغ الأهمية في تقييم عمليات الاندماج، حيث يضمن عدم نشوء كيانات احتكارية تسيطر على سوق بأكمله.

كيف تستفيد الشركات من صفقات الاندماج والاستحواذ في السعودية

تستفيد الشركات -خاصةً الناشئة منها- من صفقات الاندماج والاستحواذ عبر مسارات متعددة، أهمها: 

  1. تسريع النمو عبر دمج تقنيات وبنى تشغيلية جاهزة بدلًا من بنائها من الصفر.
  2. اكتساب التكنولوجيا والكفاءات من خلال الاندماج مع كيانات تمتلك خبرات تقنية أو قدرات تشغيلية متميزة.
  3. خفض التكاليف عبر مشاركة الموارد وتقاسم المصاريف، مما يخفف الضغط على السيولة التشغيلية.
  4. الدخول إلى أسواق جديدة سواء داخل السعودية أو إقليميًّا، بهدف توسيع قاعدة العملاء.
  5. زيادة الجاذبية للمستثمرين، إذ تعكس الصفقات نضوج الشركة وقدرتها على العمل ضمن نموذج أعمال أكثر رسوخًا.

أثر هذه الصفقات على السوق السعودي

تنعكس هذه الديناميكية بشكل إيجابي على السوق السعودي، حيث تساهم في تسريع التحول الرقمي، خاصةً في مجالات مثل البرمجيات كخدمة "SaaS" والتقنيات المالية "FinTech" والذكاء الاصطناعي. 

كما تعمل على رفع مستوى المنافسة، وجذب الاستثمارات الدولية، وتمكين الابتكار المحلي، حيث تتيح للشركات السعودية الصغيرة نقل خبراتها وتوسيع نطاقها بسرعة.

دور وصلاحيات الهيئة العامة للمنافسة

الهيئة العامة للمنافسة "GAC" هي الجهة المسؤولة عن تطبيق نظام المنافسة، ومكافحة الممارسات الاحتكارية، وتعزيز المنافسة العادلة وحمايتها، والمحافظة على البيئة التنافسية لقطاع الأعمال، وتتولى الهيئة مجموعة واسعة من المهام تشمل:

دور وصلاحيات الهيئة العامة للمنافسة
  1. إصدار إجراءات وقواعد مراقبة السوق لضمان المنافسة العادلة، والضوابط الخاصة بضبط مخالفات النظام.
  2. دراسة وإصدار القرارات بشأن طلبات الاندماج والاستحواذ التي ترد للهيئة.
  3. استحداث قاعدة بيانات ومعلومات عن النشاط الاقتصادي، وتحديثها وتطويرها بما يخدم عمل الهيئة.
  4. مراقبة السوق لضمان تطبيق قواعد المنافسة العادلة، وإنفاذ نظام المنافسة، وإصدار القواعد والإجراءات المنظمة لذلك.


وتمتلك الهيئة صلاحيات واسعة لفرض العقوبات على المخالفين، حيث قد تصل الغرامة إلى 10% من إجمالي قيمة المبيعات السنوية، أو ما لا يتجاوز 10 ملايين ريال سعودي عند استحالة تقدير المبيعات السنوية في حالة ثبوت مخالفة نظام المنافسة.

مفهوم التركز الاقتصادي وشروط الإبلاغ

يعرّف نظام المنافسة السعودي التركز الاقتصادي بأنه كل عمل ينشأ عنه نقل كلي أو جزئي لملكية أو حقوق انتفاع من ممتلكات أو حقوق أو أسهم أو حصص أو التزامات من منشأة إلى منشأة أخرى، بحيث يمكنها من الهيمنة بصورة مباشرة أو غير مباشرة على منشأة أخرى. 

تشمل عمليات التركز الاقتصادي ثلاثة أشكال رئيسية، هي:

  1. الاندماج الكامل، وهو ذوبان شركتين أو أكثر لتأسيس كيان قانوني جديد تماما.
  2. الاستحواذ، وهو شراء منشأة لحصة مسيطرة في أسهم أو أصول منشأة أخرى.
  3. المشاريع المشتركة، ويقصد بها تأسيس منشأة جديدة مشتركة بين شركتين مستقلتين للقيام بنشاط اقتصادي دائم.


ويلزم النظام المنشآت التي ترغب في الاندماج أو الاستحواذ بإبلاغ الهيئة العامة للمنافسة والحصول على موافقتها المسبقة، ويجب الإبلاغ إذا توافرت ثلاثة شروط متراكمة، وقبل 90 يوما على الأقل من إتمام الصفقة:

  1. تجاوز إجمالي المبيعات السنوية لجميع الأطراف على المستوى العالمي 200 مليون ريال سعودي.
  2. تجاوز إجمالي المبيعات السنوية للمنشأة المستهدفة على المستوى العالمي 40 مليون ريال سعودي.
  3. تحقيق أحد أطراف التركز مبيعات سنوية داخل المملكة بقيمة 40 مليون ريال سعودي على الأقل.

ما الفرق بين الاندماج والاستحواذ من منظور الهيئة العامة للمنافسة؟

تنظر الهيئة العامة للمنافسة إلى كل من عمليات الاندماج والاستحواذ باعتبارها أنماطًا من "التركز الاقتصادي"، وبالتالي تخضع كلتا العمليتين لنفس الإجراءات والمعايير الرقابية، شريطة أن تتجاوز إجمالي مبيعات الأطراف المعنية الحدود المحددة نظامًا والتي تستوجب الإبلاغ. 

ويكمن الفرق الوحيد بينهما في جانبهما القانوني والهيكلي لا غير؛ حيث يترتب على الاندماج ذوبان الكيانات المندمجة وزوال شخصيتها القانونية المستقلة لتحل محلها شخصية جديدة، بينما يحافظ الاستحواذ على كيان المنشأة المستهدفة مع انتقال السيطرة عليها إلى المنشأة المستحوذة.

إجراءات الموافقة ومراحل التقييم

تتضمن عملية الموافقة على عمليات الاندماج الضخمة عدة مراحل متسلسلة تضمن الشفافية والدقة في التقييم، على النحو التالي:

  1. تقدّم المنشآت طلبات التركز الاقتصادي عبر منصة "منافسة بلس" الإلكترونية، التي تهدف إلى تعزيز كفاءة وجودة العمليات وتيسير الاستفادة من خدمات الهيئة.
  2. تقوم الفرق المتخصصة في الهيئة بفحص الطلبات للتأكد من اكتمال المستندات والبيانات، وتبدأ المدة القانونية للمراجعة بعد قبول الطلب كاملًا.
  3. تدرس الهيئة العامة للمنافسة التأثير المحتمل للاندماج على المنافسة في السوق المعنية، مع الأخذ في الاعتبار حصة السوق للكيانات المندمجة، وحواجز دخول المنافسين الجدد، والقوة السوقية للكيان الجديد.
  4. تصدر الهيئة قرارها بأحد الأشكال التالية: الموافقة الكاملة عندما لا يخل الاندماج بالمنافسة، أو الموافقة المشروطة التي تتطلب من الكيان الجديد الالتزام بعلاجات معينة، أو رفض الطلب إذا أثبتت الدراسة أن الاندماج سيؤدي إلى إضعاف المنافسة بشكل كبير أو سيخلق وضعًا احتكاريًّا ضارًّا.
  5. عندما لا تستوفي عملية التركز الاقتصادي عتبات الإبلاغ، أو عندما لا تتضمن تغييرًا في السيطرة، تُصدر الهيئة شهادة عدم وجوب إبلاغ.


تعتبر الهيئة العامة للمنافسة السعودية من أسرع هيئات المنافسة في العالم في إنجاز المراجعات، حيث بلغ متوسط فترة المراجعة 5.4 أيام فقط بعد قبول الطلب كاملًا.

وقد أصدرت الهيئة في عام 2025 ما مجموعه 271 شهادة عدم ممانعة و135 شهادة عدم وجوب إبلاغ.

متى وكيف تشترط الهيئة العامة للمنافسة الإجراءات التصحيحية؟

تبدأ الهيئة العامة للمنافسة رحلة الإجراءات التصحيحية عندما تكشف عملية التقييم التي تجريها عن مخاوف جدية تتعلق بالمنافسة قد تنجم عن عملية الاندماج. 

في هذه الحالة، تنتقل الهيئة من مرحلة التقييم إلى مرحلة التفاوض مع الأطراف المعنية حول مجموعة من الإجراءات والعلاجات المصممة خصيصا لمعالجة هذه المخاوف، واستعادة التوازن التنافسي في السوق المعني.

تتبنى الهيئة نهجًا مرنًا في هذا الشأن، حيث تختلف الإجراءات باختلاف طبيعة الصفقة والقطاع المعني والمخاوف المحددة التي تثيرها، وتتنوع أشكال هذه الالتزامات بين السلوكية والهيكلية، وغالبا ما تجمع بينهما. جدير بالذكر أيضًا أن الهيئة يمكنها أن تشترط على الكيان المدمج الالتزام ببرنامج امتثال لقوانين المنافسة، ورفع تقارير دورية لضمان الالتزام المستمر بالشروط الموضوعة.

أنواع "التدابير التصحيحية" التي تتخذها الهيئة العامة للمنافسة

تنقسم التدابير التصحيحية إلى نوعين هما: التدابير الهيكلية والتدابير السلوكية، وفيما يلي توضيح كل منهما:

التدابير الهيكلية، تتضمن تعديلًا في بنية وأصول الشركات المندمجة لتوليد منافس جديد أو دعم منافس قائم، ومثالها: إلزام الكيان الجديد ببيع عدد من الفروع، أو التنازل عن خط إنتاج معين، أو التخلي عن رخص تجارية لصالح منافس آخر.

التدابير السلوكية، وهي عبارة عن التزامات وتعهدات تلتزم بها الشركة المندمجة حول كيفية تصرفها في السوق مستقبلا، ومثالها: التعهد بعدم رفع أسعار خدمات معينة، أو الاستمرار في توريد المواد الخام للمنافسين بنفس الشروط السابقة دون تمييز.

دور الهيئة العامة للمنافسة في دعم الاقتصاد وحماية المستهلك

تحقق الرقابة التي تفرضها الهيئة العامة للمنافسة على عمليات الاندماج الضخمة العديد من الفوائد التي تعود بالنفع على كافة أطراف العملية الاقتصادية، ومن ذلك:

  1. ضمان عدم نشوء احتكارات تؤدي إلى فرض أسعار مصطنعة ومرتفعة، أو تدني جودة المنتجات، أو تقليص الخيارات المتاحة أمام المستهلك، حيث تدفع المنافسة المستمرة الشركات دائمًا لتقديم أفضل ما لديها بأقل الأسعار.
  2. تعزيز كفاءة الأسواق وجاذبية الاستثمار، والبيئة الاستثمارية التي تحكمها قواعد منافسة عادلة وشفافة تكون أكثر جاذبيةً للاستثمارات المحلية والأجنبية، حيث يدرك المستثمر العالمي أن السوق محمي من الممارسات الإقصائية، مما يدفعه لضخ رؤوس أموال جديدة بثقة واطمئنان.
  3. عندما تندمج الشركات لغرض زيادة الكفاءة وتطوير تقنيات جديدة وليس بغرض إقصاء المنافسين، فإن ذلك يقود إلى قفزات نوعية في مجالات الصناعة والتكنولوجيا، ويدعم مستهدفات الرؤى الاقتصادية الطموحة عبر بناء كيانات وطنية عملاقة قادرة على المنافسة إقليميا ودوليًّا.

عقوبات إتمام الاندماج دون موافقة الهيئة

نظرًا لما لمسناه من أثر بالغ للاندماجات الضخمة، فإن النظام يتعامل بحسم شديد مع إتمام هذه الصفقات قبل موافقة الهيئة العامة للمنافسة، فإذا قامت المنشآت الخاضعة لحدود الإبلاغ النظامية بإتمام صفقة الاندماج أو البدء في إجراءات الأثر الاقتصادي الفعلي مثل دمج الإدارات أو العمليات البيعية، دون الحصول على قرار "عدم ممانعة" رسمي، فإنها تواجه عقوبات رادعة تشمل: غرامات مالية باهظة قد تصل إلى نسب مئوية محددة من إجمالي المبيعات السنوية لأطراف الصفقة، أو غرامات مقطوعة بملايين الريالات، وإلزام المنشآت بتفكيك الاندماج وتعديل أوضاعها وإعادة الوضع إلى ما كان عليه على نفقتها الخاصة، بطلان التصرفات القانونية الناتجة عن هذه الصفقة غير القانونية.


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.