21 Mar
21Mar

لصاحب الحق دوماً حاجة للإثبات، فكثيراً من أصحاب الحقوق يعتمدون مبدأ الثقة في تعاملاتهم وهو مبدأ يدفع لعدم توثيق الاتفاقيات أو تسجيلها، ومن ثم عندما يحدث خلاف أو يصل المتعاقدون أو للدقة المتفقون لنقطة خلاف فإننا ندخل في دوامة الإثبات.

ومن ثم كان لزاماً لأهمية الأدلة في أي نزاع قضائي أن يستحدث المُشرع السعودي نظاماً للإثبات، وميزات النظام أكثر من أن تُحصى في مقدمة قصيرة ولكن يُمكن القول إجمالاً أن النظام يخدم محامي المملكة في تسريعه إجراءات التقاضي والفصل في الأحكام بحيث أنه يقيد تقديم الأدلة إلا في مدد قانونية ملزمة، كما أنه يُعزز الثقة والأمان في الالتزامات التعاقدية، ويحقق العدالة الوقائية.

للأطراف الحق في الاتفاق على الإثبات بالطريقة التي تتماشى مع مصالحهم، فمن حق الخصوم الاتفاق على كتابة قواعد محددة في الإثبات، ومن ثم الاستفادة من كافة الأدلة التي تُساعد على تحقيق العدالة، مع اشتراط ألا تُخالف تلك الأدلة النظام العام، كما أن النظام ألزم القاضي بتسبيب جميع القرارات التي يُصدرها.

يُعتبر نظام الإثبات في السعودية هو أحد المشاريع التشريعية الأربعة التي من ضمنها مشروع نظام المعاملات المدنية، ونظام الأحوال الشخصية، ومشروع النظام الجزائي للعقوبات التعزيرية.وفيما يلي سنتناول بشرح مختصر أهم ما حوى عليه النظام الجديد من تفاصيل ومن ميزات لم نوردها في المُقدمة :


أحكام عامة

أن سريان نظام الإثبات يكون فقط على المعاملات المدنية والتجارية، وقرر حق المدعي إثبات ما يدعيه وللمدعي عليه نفيه تيمناً بالقاعدة الفقهية : " البينة على المدعي واليمين على من أنكر" و " البينة لإثبات خلاف الظاهر واليمين لإبقاء الأصل". وذلك بشرط أن تكون الوقائع التي يُراد إثباتها متعلقة بموضوع الدعوى.

كما أقر النظام القاعدة الفقهية والقانونية المعروفة بعدم جواز حُكم القاضي بعلمه الشخصي، وذلك لأن الشريعة الإسلامية لا تجيز بحسب رأي جمهور الفقهاء قضاء القاضي بعلمه الشخصي، فلا يحق له أن يكون خصماً وحكماً في آن واحد، كما أن قضاءه بعلمه يترتب عليه الإخلال بقواعد الإثبات الشرعي التي لا يجوز مخالفتها.


فعلم القاضي يُعتبر دليلاً في القضية وكما هو معروف من حق الخصوم مناقشة هذا الدليل، بما يعني نزول القاضي منزلة الخصوم، فحينها يُصبح القاضي خصماً وحكماً في آن واحد.

"فالقوانين الوضعية بجميع فروعها تعرف هي أيضاً تعرف قاعدة أن القاضي لا يحكم بعلمه ويقصد بهذه القاعدة ذات المعنى المقصود في الشريعة الإسلامية. وهذا المعنى يتلخص في عدم جواز قيام القاضي بإثارة مسائل واقعية كان يعلمها علماً خاصاً فإذا علم بسرقة أو بعقد من العقود أو معاملة من المعاملات فإنه لا يجوز له القضاء فيها بناء على ما قام لديه من معلومات خاصة فالادعاءات يجب أن يطرحها الخصوم ويقومون بإثباتها، وعلى القاضي أن يُطبق القانون على هذه الادعاءات من تلقاء نفسه، فهو يحكم بعلمه في مسائل القانون، وإنما هذا يُطبق على المسائل التي يطرحها الخصوم على القاضي بمحض إرادتهم.


وهذه القاعدة مُطلقة في النظم الوضعية أياً كان القاضي وأياً كانت طبيعة النزاع المطروح عليه، وذلك لأن مضمون ولاية القضاء واحد في جميع الحالات."

أُسس نظام الإثبات الجديد على عدد من القواعد الفقهية ذكرتها المادة (المادة 3) من النظام مثل : " البينة لإثبات خلاف الظاهر، واليمين لإبقاء الأصل" و " الثابت بالبرهان كالثابت بالعيان" و "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" و " البينة حجة متعدية، واليمين حجة قاصرة " ، وهي قواعد متصلة بأحكام شرعية وثيقة بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر".

وذُكر أمر تعارض الأدلة وحق المحكمة في المفاضلة بين هذه الأدلة وأن ترفق الأسباب التي دعتها لترجيح دليل على آخر . كما أن الخصوم لا يتقيدون بشكل محدد للإثبات مالم يرد فيه نص خاص يلزمهم بالتقيد أو إذا حدث اتفاق بينهم على الإثبات بشكل معين على أن يكون الاتفاق مكتوباً. كان ذلك أهم ما ذُكر في الباب الأول.


الإقرار واستجواب الخصوم

الإقرار القضائي هو إخبار الخصم أمام المحكمة بوجود حق عليه للغير، ويكون الإقرار قضائياً إذا كان أمام المحكمة أي اعتراف الخصم أمام المحكمة ناظرة الدعوى بواقعة مدعى بها عليه، وأن يكون نفس موضوع الدعوى وأثناء السير في الدعوى، ويُعتبر الإقرار القضائي حجة قاطعة على المقر، وقاصرة عليه، ويكون المُقر ملزماً بإقراره ومن غير المقبول رجوعه عنه.

الإقرار غير القضائي هو الذي لم يقع أمام المحكمة، أو كان أثناء السير في دعوى أخرى، فالإقرار أمام النيابة لا يُعد إقراراً قضائياً.

لأن الإقرار من التصرفات الضارة ضرراً محضاً لهذا اشترط النظام في المُقر أن يكون أهلاً للتصرف فيما أقر به، وأجاز النظام إقرار الصغير المميز المأذون له بالبيع والشراء بقدر ما أذن له فيه، كما أن الإقرار الذي يصدر من الولي أو الوصي أو ناظر الوقف ومن في حكمهم يكون صحيحاً بشرط ألا يتخطى الإقرار حدود الولاية المخولة لهم.

ويكون الإقرار صراحة أو دلال، أو باللفظ أو بالكتابة، ولا يُقبل بظاهر الحال إلا في حال دلت القرائن على كذبه، فإذا أقر شخص أنه قام بعمل ما ثم تبين بالقرائن الظاهرة كذبه فلا يؤخذ بإقراره، ومن تطبيقات ذلك ما ورد عن أبي هريرة - رضي الله عنه- : أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكما إلى داود -صلى الله عليه وسلم- فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود -صلى الله عليه وسلم- فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أَشُقُّهُ بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل! رحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى".


وعن استجواب الخصوم فقد أجاز النظام للخصم أن يستجوب خصمه مباشرة ولم يعلقه على موافقة المحكمة أو يتركه لسلطتها التقديرية، بيد أنه يحق للمحكمة أن تمنع كل سؤال لا يتعلق بالدعوى أو غير منتج فيها أو غير جائز قبوله.

كما أن للمحكمة سلطة استجواب من يكون حاضراً من الخصوم سواء أكان ذلك من تلقاء نفسها أو نتيجة طلب من أحد الخصوم، ولا يجوز استجواب الخصم عديم الأهلية أو ناقصها وإنما يستجوب من ينوب عنه.


الكتابة

المحررات الرسمية هي التي يثبت فيها موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة ما تم على يديه أو ما تلقاه من ذوي الشأن، وذلك طبقاً للأوضاع القانونية وفي حدود سلطته واختصاصاته.

هذا التعريف هو نفس التعريف الذي وضعه نظام الإثبات، وفي حال لم يستوفي المحرر الشروط الواردة في التعريف السابق فتكون له حجية المحرر العادي، وإذا لم يكن المحرر الرسمي مزوراً فإنه يكون حجة على الكافة بما حوي على تدوين من المحرر في حدود مهام وظيفته، أو حدثت من أصحاب الشأن في حضوره.

وصورة المحرر الرسمي تعتبر حجة بالقدر الذي تكون فيه مطابقة لأصل المحرر الرسمي، والصورة تكون رسمية إذا أخذت من الأصل وفقاً لإجراءات محددة تُنظم ذلك، كما أن الصورة الرسمية تُعتبر مُطابقة للأصل مالم ينازع في صحة ذلك أي من ذوي الشأن، فحينها يتعين مُطابقتها للأصل.

يُمكن اعتبار الصورة الرسمية حجية للأصل إذا لم يوجد أصل المحرر الرسمي، وذلك إذا كان مظهرها الخارجي لا يسمح بوجود أي ريبة أو شك في مطابقة الصورة للأصل.

الجدير بالذكر أن الشخص القائم بتحرير الورقة هو معيار التمييز بين الورقة الرسمية ونظيرتها العُرفية، بمعنى إذا كان هذا الشخص موظفاً عاماً فهنا يتم إسباغ الوصف القانوني عليها بأنها رسمية، وتكون الورقة عرفية إذا كان الأفراد هم من قاموا بتحريرها.

والضرر في المحررات الرسمية بالأساس مُفترض لما في التزوير من تقليل الثقة بها على اعتبار أنها من الأوراق التي يُعتمد عليها في إثبات ما فيها، أما في المحررات العرفية فالضرر يكون محتمل ويثبته الشخص الآخر الذي لحق به ضرر نتيجة التزوير.


إن المحررات العرفية أو العادية هي: تلك التي يقوم الأفراد بإصدارها دون تدخل من الموظف العام في تحريرها، والمُحرر العرفي يُعتبر صادراً ممن قام بتوقيعه وحجة عليه مالم ينكر بشكل صريح ما هو منسوب إليه من خط أو إمضاء أو ختم أو بصمة بكافة طُرق الإنكار.

في المراسلات الموقع عليها والثابت نسبتها إلى المرسل تأخذ حُكم المُحرر العادي في الإثبات بحسب العادة، وذلك مالم يثبت المرسل عدم قيامه بالإرسال من الأساس.

 تطرقت باقي المواد في الحديث عن مدى حجية دفاتر التجار على غيرهم وعلى التجار وحجية الاستناد إلى دفاتر الخصوم من التجار وغيرها من الأحكام.

كما أجاز النظام أن يُطالب الخصم من المحكمة إلزام خصمه تقديم أي محرر يكون له جدوى في الدعوى ويقع تحت يده في عدد من الحالات منها " إذا استند إليه خصمه في أي مرحلة من مراحل الدعوى". كما أن الطلب لا يُقبل إذا لم يستوفي عدد من الشروط منها " الدلائل والظروف التي تؤيد أن المحرر تحت يد الخصم" وتطرقت باقي المواد في الحديث عن الحالات المحتمل أن يتبعها الخصم إما إقراره والإجراء المتبع حينها، أو إنكاره وما يترتب على ذلك، أو امتناعه وحكم النظام في ذلك.

يحق للخصم في الدعاوي التجارية أن يطلب من خصمه تقديم محرر متعلق بموضوع الدعوى أو يطلب الاطلاع على محتواه، والمحكمة توافق على الطلب وفق ضوابط محددة منها " أن يكون المحرر محدداً بذاته أو بنوعه" وللمحكمة الحق أن تدخل الغير في الدعوى لتلزمه بتقديم محرر تحت يده إما من تلقاء نسفها أو بناء على طلب من الخصوم والأمر سيان في طلب محرر من جهة عامة أو صورة مصدقة منه.

ويكون للمحكمة سلطة تقديرية فيما يتعلق بالعيوب التي تعتري المحرر فلها أن تسقط حجيته في الإثبات ولها أن تنقص تلك الحجية، أو أن تأخذ ببعض ما حوى عليه أو تأخذ بكل ما تضمنه، وإذا تشككت في صحة المحرر فلها أن تستدعي الشخص الذي حرره أو من صدر عنه لتستوضح منه حقيقة الأمر.


للمحكمة أن تأمر بالتحقيق بالمضاهاة أو بسماع الشهود أو بكليهما وذلك إذا أنكر من احتج عليه بالمحرر العادي خطه أو إمضاءه أو ختمه أو بصمته، أو أنكر ذلك خلفه أو نائبه أو نفى علمه به، وظل الخصم الآخر متمسكاً بالمحرر، وكان المحرر منتجاً في النزاع، ولم تكف وقائع الدعوى ومستنداتها في إقناع المحكمة بصحة الخط أو الإمضاء أو الختم أو البصمة " وذلك بحسب (المادة 40).


والادعاء بالتزوير يكون في أي حالة تكون عليها الدعوى، هكذا قرر النظام، وهو ذات الأمر الذي أقرته محكمة النقض المصرية في الطعن رقم 12347 لسنة 76 قضائية حيث نصت على قاعدة عامة مفادها : المقرر – في قضاء محكمة النقض - أن الادعاء بالتزوير يجوز في أية حالة تكون عليها الدعوى ولو أمام محكمة الاستئناف".

"وعلى المدعي بالتزوير أن يحدد كافة مواضع التزوير المدعى به، وشواهده، وإجراءات التحقيق التي يطلب إثباته بها، ويكون ذلك بمذكرة يقدمها للمحكمة أو بإثباته في محضر الجلسة" هكذا نصت الفقرة الأولى من (المادة 44) ثم توالت أحكام النظام عن الادعاء بالتزوير وحالاته وما على مدعي التزوير من التزامات وما على الخصم، وغيرها من الأحكام.

ويجوز لمن يخشى أن يحتج عليه الغير بورقة مزوره أن يخاصم المستحوذ على تلك الورقة والمستفيد منها ليسمع الحكم بتزويرها وذلك وفق إجراءات وقواعد محددة تراعيها المحكمة.


الدليل الرقمي

يحق لكل ذي مصلحة التقدم بأدلة رقمية أو إلكترونية تثبت وجود حق أو تدفع ظلم أو ترد باطل، وقد حدد النظام أنواع الأدلة الرقمية وطريقة تقديم تلك الأدلة والاستعانة بذوي الخبرة في تقدير قوة الدليل الرقمي، كما أعطى النظام للمدعى عليه أن يطعن في الدليل الرقمي ويثبت عدم صحته.

ونظراً لكون الدليل الرقمي يعتمد على التقنية والتقدم التكنولوجي، ولأن التكنولوجيا بالضرورة دائمة التطور، ومن ثم حرص المشرع على ذكر أنواع الدليل للاستشهاد لا على سبيل الحصر وهي: 1- السجل الرقمي 2- والمحرر الرقمي 3- التوقيع الرقمي 4- المراسلات الرقمية بما فيها البريد الرقمي 5- وسائل الاتصال، 6- الوسائط الرقمية 7- أي دليل رقمي آخر.

وبالتالي فأي مراسلات عبر البريد الإلكتروني أو الماسنجر أو الواتس آب أو سناب شات وكل ما يدخل في نظام وسائل الاتصال يسري عليه النظام.

ويأخذ الإثبات بالدليل الرقمي حُكم الإثبات بالكتابة، كما أن للدليل الرقمي الرسمي ذات الحجية المقررة للمحرر الرسمي إذا استوفي المتطلبات التي ذكرتها الفقرة الأولى من (المادة 25) من النظام.

وتوالت أحكام الدليل الرقمي من حيث حجية المستخرجات من الدليل الرقمي، والصورة المطلوب تقديم الدليل الرقمي بها للمحكمة، وغيرها من الأحكام.


الشهادة

جواز الإثبات بشهادة الشهود حق ثابت، مالم يرد نص خلاف ذلك، وقد جاء في كشف الإقناع بخصوص الشهادة : " اتفق الفقهاء جميعاً على أن الشهادة من طرق القضاء لقوله تعالى" واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فأن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء" وتوالت أحكام الشهادة في باقي المواد ومنها عدم جواز الإثبات بشهادة الشهود ولو لم تزد قيمة التصرف على (مائة ألف ريال أو ما يعادلها) في عديد الحالات منها " فيما يخالف أو يجاوز ما اشتمل عليه دليل كتابي.

اشترط النظام أن تكون الشهادة عن مشاهدة أو معاينة أو سماع وذلك لأن الشهادة تكون بالعلم ولا تصح بغلبة الظن، أما الشهادة بالاستفاضة فهي لا تصح باستثناء ما يمكن علمه بدونها كالوفاة والنكاح والنسب والوقف والوصية والملك المطلق.

ولا تصح شهادة من ليس أهلاً لها كناقص الإدراك ومن لم يبلغ سن (الخمسة عشرة)، مع جواز سماع شهادة من لم يتجاوز السن السابق ذكرها على سبيل الاستئناس ليس إلا حرصاً على نزاهة صاحب الشهادة فيتعين عليه أن يفصح عن حقيقة علاقته بأطراف الدعوى وعن وجود أي مصلحة له فيها من عدمه وذلك قبل أن يُشرع بإبداء أي شهادة متعلقة بالدعوى، ثم توالت المواد بتقنين إمكانية شهادة الموظفين والمكلفين بخدمة عامة حتى إن تركوا العمل، وكذلك من يجلب بالشهادة لنفسه نفعاً أو يصد عنها ضرراً.

وإذا أثبت أحد الخصوم واقعة معينة بشهادة الشهود بعد أخذ إذن المحكمة، فإن للخصم أن يستخدم ذات الطريق في نفس ما حاول خصمة إثباته، أي جلب شهود نفي لما قيل. وفي حال أن طلب أحد الخصوم مهلة لإحضار الشهود فلا يجوز إمهاله أكثر من مرة واحدة.

الشهادة بحسب الأصل تؤدى شفاهة، إلا أنه يجوز أن تكون كتابة إذا رأت المحكمة وجوب ذلك، وللمحكمة أيضًا الحق في تحليف الشاهد لعلة تراها وإذا امتنع فتقدر المحكمة ما يترتب على امتناعه، والشهادة تكون بحضور الخصوم بحسب الأصل، وتُسمع شهادة كل شاهد على انفراد إلا إذا رأت المحكمة وجوب اقتضاء غير ذلك لأسبابها المعتبرة قانوناً.


القرائن وحجية الأمر المقضي به

القرائن من طُرق الإثبات وهي " كل أمارة ظاهرة تقارن شيئاً خفياً فتدل عليه" والقرائن تُساهم في إكمال الأدلة الناقصة كما تُساهم في تثبيت قناعة القاضي للحق ليصدر حكمه، ومن خلال نظام الإثبات نجد أن للمحكمة الحق في استنباط قرائن أخرى للإثبات، وذلك في الأحوال التي يجوز فيها الإثبات بالشهادة بشرط أن تظهر وجه دلالتها أو حجيتها.

ونظير التقدم العلمي والتقني الذي لم يعد هناك بد للاستعانة به فقد قرر النظام أن للمحكمة حال ما ارتئت من ضرورة أن تستعين بالوسائل العلمية في استنباط القرائن.

وعن حجية الأمر المقضي فلا يجوز قبول دليل يناقض الأحكام التي حازت على حجية الأمر المقضي به، ويكون للمحكمة صلاحية القضاء بتلك الحجية من تلقاء نفسها.

العُرف

الُعرف قديماً كان حجة تُثبت بها الأحكام أو تُكشف بها الحقائق وكان هذا محل اجتهاد الدوائر القضائية في المملكة، والعُرف من الأدلة القانونية المُساندة فالأصل أنه لا يكون دليل إثبات، وفي نظام الإثبات الجديد أصبح العُرف حجة تثبت بها الأحكام بين الخصوم بشرط ألا يكون مخالفاً للشريعة الإسلامية حيث نصت (المادة 88) على ما يلي : " يجوز الإثبات بالعُرف، أو العادة بين الخصوم، وذلك فيما لم يرد فيه نص خاص أو اتفاق بين الأطراف أو فيما لا يخالف النظام العام" ، فقد حل العُرف أخيراً في نظام الإثبات كدليل إثبات في السعودية وليس دليل تشريعي فقط.

وعلى الذي يُريد استخدام العُرف أو العادة كدليل إثبات في واقعة قانونية أن يثبت وجود تلك العرف أو العادة وقت الواقعة في بلد حدوث الواقعة.


اليمين

عرف النظام أنواع اليمين، وذكر أن اليمين الحاسمة هي: هي التي يؤديها المدعي عليه لدفع الدعوى، ويجوز ردها على المدعي، وفقاً للأحكام الواردة في هذا الباب.أما اليمين المتممة فقد عرفها بأنها: هي التي يؤديها المدعي لإتمام البينة، ولا يجوز ردها على المدعي عليه، وفقاً للأحكام الواردة في هذا الباب.

ونص النظام على أن اليمين تكون في جانب أقوى المتداعيين، والرأي الفقهي هنا هو أن : " اليمين تشرع في جانب أقوى المتداعيين ". وذلك ما تبنته المحكمة العليا في قرارها رقم 7/3/2 في 3/3/1437 وهو رأي الجمهور، وترجيح جانب أحد المتداعيين يكون بالشاهد والقرائن المؤيدة لموقفه بشرط أن تكون مؤثرة وصحيحة.

واشترط النظام أن يكون الحالف أهلاً للتصرف فيما يحلف عليه، وتحدد المحكمة الصيغة التي يتلى اليمين بها، ثم توالت أحكام اليمين الحاسمة فأحكام اليمين المتممة.


المعاينة

يُمكن للمحكمة من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد الخصوم أن تقرر معاينة المحل المتنازع حوله، كما يحق للمحكمة أن تنب خبيراً تستعين به في عملية المعاينة، وأن تسمع ما تطمئن لسماعه من شهود، وخشية زوال معالم واقعة ما من الوارد أن تكون محلاً لنزاع مستقبلي فإنه يجوز لصاحب المصلحة طلب معاينتها وإثبات حالتها.


الخبرة

كما درج النظام من خلال نصوصه السالفة فإن للمحكمة الحق أن تقرر من تلقاء نفسها ندب خبير أو أكثر ليعطي مشورته في المسائل الفنية التي يستلزمها الفصل في الدعوى، كما يجوز أن تقوم المحكمة بندب خبير بناء على طلب أحد الخصوم، ولا يُمكن بحال من الأحوال إغفال مقدرة الخبير الفنية وقدراته وفترة خبرته فيما يتعلق بموضوع النزاع لما لذلك من تأثير مباشر في موضوع الدعوى، لذا فمن الأحرى أن يراعى عند اختبار الخبير ما سبق.

وفي حال أن اتفق الخصوم على اختبار خبير بعينه أو أكثر من خبير فإن المحكمة تُعمل اتفاقهم، ولا يجوز لها مخالفة هذا الاتفاق، والمنطوق الذي تقرره المحكمة فيما يتعلق بندب الخبير يتعين أن يحوي بيانات هامة كتحديد مهمته وصلاحياته، والتدابير التي من صلاحياته اتخاذها.

كما تطرقت باقي أحكام النظام لذكر التفاصيل الدقيقة كطلب رد الخبير، وجزاء إهمال الخبير أو تقصيره في أداء مهامه، والمبالغ المقررة للخبرة وصلاحية المحكمة في تحديدها، ومواعيد إيداع الخصوم للمبالغ المقررة للخبرة، وجزاء عدم وضع المبالغ في المواعيد المحددة سلفاً.

وعلى الخبير إن كان على صلة أو علاقة بأي طرف من طرفي النزاع أن يٌفصح عنه قبل مُباشرة مهامه حرصاً على الاستقلالية والنزاهة في عمله وحتى لا يتأثر بأي ضغوط أو يقع تحت أي ابتزازات، كما حدد النظام جزاء مخالفة الخبير لذلك.


أحكام ختامية 

فيما لم يرد فيه نص في هذا النظام فإنه يُطبق على الإجراءات ذات الصلة بالإثبات أحكام نظام المحاكم التجارية وأحكام نظام المرافعات الشرعية، وتكون للأحكام المُستمدة من الشريعة الإسلامية الحُكم والفصل في أحكام الإثبات التي لم يرد فيها نص في هذا النظام.

وأجاز النظام إمكانية الاستعانة بالقطاع الخاص في عملية الإثبات، والقواعد المنظمة لذلك تكون من اختصاص وزير العدل بالتنسيق مع المجلس الأعلى للقضاء.

فور العمل بهذا النظام ودخوله حيز السريان، فيُلغى بموجبه الباب التاسع من نظام المرافعات الشرعية، والباب التاسع من نظام المحاكم التجارية، كما يُصبح والعدم سواء ما يتعارض معه من أحكام.

ومؤقت بدأ سريان هذا النظام ودخوله حيز التنفيذ يكون خلال 180 يوماً من تاريخ نشرة في الجريدة الرسمية أي من تاريخ الجمعة الموافق 4 جمادي الآخرة 1443 هـ.


المراجع

  • نظام الإثبات - اقتباس حرفي قاعدة عدم قضاء القاضي بعلمه الشخصي في الشريعة الإسلامية وفي التشريعات الوضعية، د نبيل إسماعيل عمر، ص 43
  • على سليمان عشمان الشراري، الإثبات بالمحررات الرسمية طبقاً للنظام السعودي : دراسة مقارنة، رسالة ماجستير، 2013، ص 18
  • محكمة النقض المصرية، الطعن رقم 7834 ،لعام 2021(4)- كشف القناع، جزء 6، ص 404



تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.