جاءت التعديلات الأخيرة لترسّخ حقوق الموظف عند الاستقالة في نظام العمل السعودي الجديد بوضوح غير مسبوق، محققةً نقلة نوعية في حماية الطرفين، حيث أصبحت الاستقالة خاضعةً لضوابط محددة تضمن حصول العامل على مستحقاته كاملة، بما في ذلك مكافأة نهاية الخدمة، وبدل الإجازات غير المستخدمة، وتنظيم فترة الإشعار وآلية احتساب التعويضات في حال الإخلال بها.
وفي هذا المقال، نستعرض بتفصيل دقيق حقوق العامل عند اتخاذ قرار الاستقالة في ظل النظام الجديد، ونقدم دليلًا شاملًا يضمن لك معرفة ما لك وما عليك قبل توقيع ورقة الاستقالة.
عرّفت المادة الثانية من نظام العمل السعودي الاستقالة بأنها إفصاح العامل كتابةً عن رغبته دون إكراه في إنهاء عقد عمل محدد المدة دون تعليق على قيد أو شرط وقبول صاحب العمل بها.
وقد أتاح المشرع السعودي للعامل الحق في تقديم استقالته لأي سبب كان، أو حتى دون حاجة لذكر سبب محدد، إذ يكفي أن تكون لدى العامل الرغبة في إنهاء عمله.
جدير بالذكر أن نفرق بين الاستقالة وإنهاء العقد بالتراضي؛ فالاستقالة هي إنهاء العامل لعقد العمل بمبادرة فردية منه، أما إنهاء العقد بالتراضي فهو اتفاق الطرفين -العامل وصحب العمل- على إنهاء العقد دون إلزام لأي منهما.
وهذا الفرق أساسي في تحديد الحقوق المترتبة على كل حالة، لا سيما فيما يتعلق بمكافأة نهاية الخدمة حيث لا تخضع اتفاقية إنهاء العقد بالتراضي لذات القيود التي تفرضها المادة (85) عند الاستقالة.
نصت المادة على أنه إذا قدّم العامل استقالته ولم يرد صاحب العمل خلال 30 يوم، تعتبر الاستقالة مقبولة تلقائيًّا، ويحق لصاحب العمل تأجيل قبولها لمدة إضافية (بحد أقصى 60 يومًا) إذا كان هناك سبب يتعلق بمصلحة العمل، بشرط أن يوضح ذلك كتابةً للعامل قبل انتهاء أول 30 يوم، وتبدأ مدة التأجيل من وقت إبلاغ العامل بهذا التوضيح.
ينتهي عقد العمل بالاستقالة من تاريخ قبول صاحب العمل بها، أو من تاريخ مضي مدة الثلاثين يومًا دون رد، أو من تاريخ انتهاء مدة التأجيل المشار إليها أعلاه.
منح المشرّع للعامل الحق في العدول عن طلب الاستقالة خلال مدة لا تتجاوز سبعة أيام من تاريخ تقديمه، ما لم يقبلها صاحب العمل قبل العدول، وذلك بهدف حماية العامل من القرارات المتسرعة منحه فرصة للتروي.
أكدت المادة على أنه لا يصح أن يحدد في طلب الاستقالة تاريخ مؤجل لها، وذلك لمنع استغلال الاستقالة كورقة ضغط مستقبلية من أي من الطرفين.
نصت المادة على أن عقد العمل يعد ساريًا خلال مدة طلب الاستقالة، ويلتزم طرفا العقد بتنفيذ جميع الالتزامات الناشئة عنه خلالها.
يتضح لنا مما سبق أن لصاحب العمل أن يقوم في حال استقالة العامل عقد محدد المدة رفض الاستقالة، وبالتالي يكون العامل ملزمًا بإتمام مدة العقد أو دفع التعويض عن الإنهاء، أو التأجيل بحد أقصى ستين يومًا، أو عدم الرد ويكون العقد منتهيًا بعد مضي ثلاثين يومًا.
أما فيما يتعلق بـ استقالة العامل في فترة التجربة، فيحق له شرط أن ينص العقد صراحةً على هذه المدة وألا تتجاوز 90 يومًا، مع ضرورة تضمين العقد بندًا يخول الطرفين حق إنهائه خلالها، ويراعى أن يكون العقد ساريًا وقت الإنهاء، وألا يترتب على العامل أي تعويض عن هذه المدة ما لم يشترط العقد خلاف ذلك.
يستحق العامل الذي انتهى عقده بالاستقالة جميع حقوقه المقررة بموجب النظام، باستثناء ما يتعلق بمكافأة نهاية الخدمة التي تخضع لحساب خاص وفقًا للمادة (85) من النظام:
تعد مكافأة نهاية الخدمة ضمن مستحقات العامل بعد الاستقالة، وترتبط تصاعديًّا بمدة خدمته، فالعامل الذي لم تكمل خدمته سنتين لا يستحق أي مكافأة، فإذا بلغت سنتين واستمرت حتى خمس سنوات استحق ثلث المكافأة، فإن جاوزت الخمس وبلغت عشر سنوات ارتفعت النسبة إلى الثلثين، ولا ينال المكافأة كاملة إلا من أمضى عشر سنوات فأكثر في خدمة صاحب العمل.
كما تقوم آلية الاحتساب على أساس الأجر الشهري الأخير للعامل، فيمنح عن كل سنة من السنوات الخمس الأولى أجر نصف شهر، وعن كل سنة من السنوات الخمس التالية أجر شهر كامل، وعن كل سنة تالية للسنة العاشرة أجر شهر ونصف.
هناك استثناءات مهمة تمنح العامل المكافأة كاملة بصرف النظر عن مدة الخدمة، منها:
يستحق العامل أجرًا نقديًّا عن رصيد إجازاته السنوية غير المستخدمة عند انتهاء العلاقة العمالية، سواء كان ذلك بالاستقالة أو الفصل أو انتهاء مدة العقد.
يحسب هذا البدل على أساس الأجر الفعلي الذي يشمل الراتب الأساسي، وبدل السكن وبدل النقل والعمولات المنتظمة والمكافآت الدورية الثابتة، مع ملاحظة أن النظام يحظر تقاضي بدل نقدي عن الإجازة أثناء استمرار العلاقة العمالية.
يستحق العامل أجره كاملًا عن الأيام التي عمل بها حتى تاريخ انتهاء علاقة العمل، إضافة إلى أي رواتب أو مستحقات مالية متأخرة لم تصرف له قبل الاستقالة.
كما يستحق المقابل المالي عن ساعات العمل الإضافية التي قام بها خلال فترة عمله، شرط أن تكون مثبتة وفق الإجراءات المعتمدة لدى المنشأة أو عبر السجلات الرسمية.
من بين مستحقات العامل بعد الاستقالة الحصول على شهادة خبرة توضح تاريخ التحاقه بالعمل، وتاريخ انتهاء خدمته، ومسماه الوظيفي، ونوع العمل الذي كان يؤديه، والأجر الذي كان يتقاضاه.
ولا يجوز لصاحب العمل أن يتضمن هذه الشهادة أي عبارات قد تسيء إلى سمعة العامل أو تقلل من فرصه في الحصول على عمل جديد، كما يلتزم صاحب العمل بتسليم هذه الشهادة للعامل مجانًا عند انتهاء علاقة العمل.
أجاز نظام العمل السعودي للعامل ترك العمل دون إشعار مسبق في عدة حالات محددة، وهي:

يتعين على العامل بعد تقديم الاستقالة مراعاة الإجراءات التالية لضمان حقوقه:
يجب على العامل الاستمرار في أداء مهامه الوظيفية خلال فترة الثلاثين يومًا أو المدة المتفق عليها، إذ أن العقد يظل ساريًا، وتظل الالتزامات قائمة خلال هذه الفترة.
يسلم العامل جميع العهد والممتلكات العائدة لجهة العمل بشكل رسمي وموثق قبل انتهاء فترة الإشعار، مع الحصول على إيصال استلام يثبت براءة ذمته.
يلتزم صاحب العمل بتصفية جميع مستحقات العامل المالية بما فيها مكافأة نهاية الخدمة وبدل الإجازات غير المستخدمة خلال مدة أقصاها 60 يومًا من تاريخ انتهاء العلاقة التعاقدية.
وفي حال تأخر صاحب العمل في السداد بعد هذه المدة، يستحق العامل تعويضا عن التأخير، ويمكنه اللجوء إلى منصة "قوى" أو رفع دعوى أمام المحكمة العمالية للمطالبة بحقوقه.
ينبغي للعامل -بعد استلامه كافة مستحقاته- أن يوقع مخالصةً مالية نهائية، وأن يحتفظ بنسخة موثقة منها لضمان حقه في حال ظهور أي مستحقات لاحقة.
تتمثل أبرز شروط الاستقالة من العمل في النظام السعودي الجديد فيما يلي:
ختامًا، لقد أولى نظام العمل السعودي الجديد 2026 اهتمامًا كبيرًا بتنظيم أحكام الاستقالة بهدف تحقيق التوازن بين حقوق العامل ومصالح صاحب العمل.فمن حق العامل إنهاء العلاقة التعاقدية بإرادته المنفردة دون تعسف، مع ضمان حصوله على كامل حقوقه القانونية من مكافأة نهاية الخدمة وبدل الإجازات غير المستخدمة وغير ذلك، كما وضع في نفس الوقت ضوابط تحمي استقرار المنشآت من خلال تنظيم فترات الإشعار وآليات القبول والتأجيل.
لذا، نوصي كل عامل يقدم على الاستقالة بأن يكون على دراية تامة بأحكام النظام، وألا يتردد في استشارة محامٍ مختص بقضايا الاستقالة في نظام العمل السعودي عند الحاجة، لضمان حصوله على حقوقه كاملة غير منقوصة.
