17 قراءة دقيقة
19 May
19May

لا تقاس دقة الكلمة في مجال الترجمة القانونية بمعناها اللغوي فحسب، بل بما يترتب عليها من التزامات وحقوق قد تكلف الملايين! فهي علم قائم بذاته يجمع بين المعرفة القانونية واللغوية لضمان سلامة المعنى والمبنى.

وفي المملكة العربية السعودية، حيث تلتقي الشريعة الإسلامية بالأنظمة المدنية والتجارية الحديثة، في بيئة تستقطب الاستثمارات العالمية، يكتسب هذا المجال أهمية مضاعفة.

في ضوء ذلك، دعنا نصحبك في جولة معرفية نستعرض من خلالها معلومات عن الترجمة القانونية وأسسها وأنواعها وأصول الصياغة القانونية.

ما هي الترجمة القانونية؟

هي عملية متخصصة في نقل النصوص والوثائق ذات الطابع القانوني من لغة المصدر إلى لغة الهدف، مع الحفاظ الكامل على المعنى والأثر القانوني للنص الأصلي.

بمعنى آخر، تتطلب الترجمة القانونية فهمًا دقيقًا للأنظمة والمذاهب القانونية والثقافة التشريعية في كلتا اللغتين، ولهذا تعد من أدق أنواع الترجمة وأكثرها حساسيةً على الإطلاق، فقد يؤدي أي خطأ بسيط في نقل مصطلح أو صياغة إلى نزاعات قانونية معقدة وتبعات مالية جسيمة.

أهمية الترجمة القانونية

تبرز أهمية الترجمة القانونية فيما يلي:

أهمية الترجمة القانونية
  1. ضمان فهم جميع أطراف العلاقة القانونية لالتزاماتهم وواجباتهم بوضوح، وبالتالي حماية الحقوق والمصالح المالية والتجارية.
  2. تجنب الغموض وسوء الفهم اللغوي، ومن ثم الحد من المنازعات القضائية التي قد تنشأ عن تفسيرات مختلفة لبنود العقد.
  3. الاعتماد الرسمي، حيث لا تقبل الجهات القضائية والحكومية والسفارات أي مستندات قانونية محررة بلغة أجنبية إلا بعد ترجمتها ترجمة معتمدة من مكتب معترف به.
  4. مساعدة المؤسسات والشركات العاملة في المملكة على تلبية متطلبات الأنظمة المحلية والدولية عند تقديم مستنداتها للجهات الرسمية.

أسس الترجمة القانونية وقواعدها 

لابد من الالتزام بمجموعة من الأسس والمبادئ التي تشكل عنصرًا أساسيًّا في هذا التخصص الدقيق للوصول إلى ترجمة قانونية سليمة ومعتمدة، ومن ذلك:

  1. نقل المعنى القانوني للنص دون أي تحريف أو إضافة أو حذف، وحتى أدق التفاصيل، لأن أدنى خلل قد يغير الحكم كليًّا.
  2. تقتصر مهمة المترجم على النقل الأمين للنص كما هو دون إدخال آرائه أو توجهاته الفكرية، لضمان بقاء الأثر القانوني على حاله.
  3. أن يكون المترجم على دراية واسعة بالفروقات بين أنظمة الدول، وعلى رأسها خصائص ومبادئ النظام القانوني السعودي القائم على الشريعة الإسلامية والأنظمة المدنية.
  4. الالتزام بالأسلوب القانوني الرسمي المتبع في لغة الهدف، واستخدام المصطلحات المعتمدة من الجهات القضائية.
  5. التأكد من خلو النص النهائي من أي أخطاء من قبل مختصين في المجال القانوني والترجمة قبل التسليم.
  6. الالتزام بخصوصية الوثائق وحساسية المعلومات، وهو شرط أساسي للموثوقية والمهنية.

أنواع الترجمة القانونية الأكثر شيوعا

تتعدد أنواع الترجمة القانونية لتشمل مجموعةً واسعةً من الوثائق الرسمية التي تضمن صيانة الحقوق والالتزام بالواجبات، وأبرزها:

أنواع الترجمة القانونية الأكثر شيوعا

ترجمة القوانين واللوائح الرسمية

ومثالها ترجمة الدساتير والأنظمة الأساسية واللوائح التنفيذية، وتتطلب أعلى درجات الدقة لأنها نصوص ملزمة للجميع.

ترجمة العقود والاتفاقيات

وتتضمن عقود العمل، والتأسيس والبيع والإيجار والشراكة وغيرها.

ترجمة الوثائق القضائية

مثل الأحكام والقرارات ومذكرات الدفاع ولائحة الدعاوى، وتتطلب صياغة رسمية صارمة لا تقبل التأويل.

ترجمة التوكيلات والوكالات الشرعية

بنوعيها العامة والخاصة، وهي وثائق بالغة الحساسية، تستخدم أمام السفارات والجهات الرسمية.

ترجمة الوثائق الشخصية والرسمية

مثل شهادات الميلاد والزواج والوفاة والهوية وغيرها من الوثائق المطلوبة بكثرة في معاملات السفارات والهجرة.

الترجمة الرقمية وترجمة المراسلات

وتتضمن ترجمة الرسائل القانونية ومراسلات البريد الإلكتروني الرسمية التي تحمل مضامين قانونية هامة.

تعريف وأنواع الصياغة القانونية

الصياغة القانونية هي فن تحويل المادة الأولية الخام للفكرة القانونية إلى نصوص تشريعية أو تعاقدية واضحة ودقيقة وقابلة للتطبيق على أرض الواقع، وتتعدد أنواع الصياغة القانونية بتعدد الغرض والوسيلة، وأبرزها:

  1. الصياغة الجامدة، وتكون في النصوص القطعية الثبوت التي لا مجال فيها للاجتهاد، حيث يأتي الحكم القانوني بصيغة محددة لا تسمح بالتقدير أو التفسير.
  2. الصياغة المرنة، وتستخدم غالبًا في العقود والاتفاقيات والنصوص التي تتطلب قدرًا من التكيُّف مع الظروف المتغيرة، مما يمنح القاضي أو المتعاقدين مساحة من السلطة التقديرية.
  3. الصياغة المادية والصياغة المعنوية، وذلك بحسب وسيلة التعبير عن القاعدة القانونية، سواء بالتركيز على الأفعال المادية الملموسة أو من خلال الأفكار والمعاني غير الملموسة.

أصول الصياغة القانونية

تخضع الصياغة القانونية لأصول ومعايير لغوية وقانونية دقيقة، سواء على المستوى التشريعي أو التعاقدي، وذلك على النحو التالي:

  1. الوضوح والدقة، واستخدام لغة مباشرة خالية من الغموض وأن تكون العبارات محددة وقاطعة ومصاغة بألفاظ سهلة لا تحتمل أكثر من معنى.
  2. الإحكام والضبط، ويقصد به صياغة النص بما لا يدع مجالًا للثغرات أو التأويل غير المقصود، يتضمن ذلك الدقة في استخدام الأفعال والضمائر والروابط.
  3. الشمولية والترتيب المنطقي، وتغطية كافة جوانب الموضوع بشكل متكامل ومنظم، وعرض المواد والبنود بتسلسل منطقي من التعريفات إلى الالتزامات ثم الجزاءات.
  4. الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية وأهداف الأنظمة وعدم مخالفة النظام العام والآداب.


جدير بالذكر، أن الصياغة القانونية للعقود هي عنصر أساسي لأي معاملة تجارية أو مدنية ناجحة، حيث يتضمن العقد مجموعة من البنود الأساسية بما في ذلك المقدمات والتعريفات وتحديد الأطراف وموضوع العقد والتزامات وحقوق كل طرف والمقابل المالي ومدة العقد وبنود الإنهاء والقوة القاهرة وآلية تسوية النزاعات والتوقيع. 

العلاقة بين الترجمة القانونية والصياغة القانونية

هما بمثابة وجهين لعملة واحدة، فالصياغة هي فن ابتكار النص القانوني وصناعته بلغة المصدر، بينما الترجمة هي فن نقله بأمانة ودقة إلى لغة الهدف مع الحفاظ على قوته الإلزامية، وكما يستحيل أن تجد ترجمة قانونية سليمة دون صياغة قانونية متقنة في النص الأصل، لا يمكن تصور عقد دولي أو تشريع نافذ دون المرور بكلتا العمليتين المتكاملتين.

وقد أجمعت المصادر المتخصصة على أن إتقان اساسيات الترجمة القانونية لا يمكن أن يتم بمعزل عن أصول الصياغة القانونية، لأن الترجمة كما ذكرنا سابقًا هي نقل للمفاهيم والمعاني القانونية المعقدة، ولكي يكون هذا النقل دقيقًا، يجب أن يكون النص المترجم مصاغًا بصياغة قانونية سليمة في اللغة الهدف، للحفاظ على القوة الإلزامية للنص.

كما أن ترجمة أي نص قانوني تتطلب إلمامًا تامًّا بأصول الصياغة القانونية، لأن تجاهل هذه الأصول أثناء الترجمة قد يؤدي إلى إنتاج نص سطحي وغامض، وبالتالي يفقد جوهره القانوني.

لذا، تشكل علوم الصياغة التشريعية والترجمة القانونية معًا أساسيات العمل القانوني الذي لا غنى عنه، حيث أصبحت دراسة أصول الصياغة القانونية باللغتين "المصدر والهدف" ضرورة لا غنى عنها في العصر الحديث لضمان ترجمة دقيقة وفعالة.

تحديات جوهرية تواجه المترجم القانوني

على الجانب الآخر، هناك مجموعة من التحديات المهمة التي يواجهها القانوني في عمله في مجال الترجمة القانونية، يمكن إيجازها على النحو التالي:

اختلاف المصطلحات القانونية واللغوية بين الأنظمة

حيث تتأثر هذه المصطلحات بشكل مباشر بسياسات الدول وثقافاتها وأنظمتها التشريعية، الأمر الذي يفرض على المترجم القانوني المواكبة الدائمة لهذه المتغيرات، خاصة وأن أي خطأ أو فهم خاطئ لسياق هذه الأنظمة أثناء الترجمة قد يؤثر في معنى النصوص والمستندات، وربما يؤدي إلى عواقب وآثار قانونية وخيمة.

تباين الأسلوب القانوني بين دول العالم

يختلف الأسلوب القانوني وطرق الصياغة والترجمة باختلاف ثقافات الدول وعاداتها وتقاليدها، حيث يتأثر كل أسلوب بلغة البيئة التي نشأ فيها، وهو ما يلاحظه القانونيون جليًّا عند مقارنة الصياغات والترجمات القانونية بين دول القانون اللاتيني ودول القانون الأنجلوسكسوني على سبيل المثال.

الصعوبة البالغة والتخصص العميق المطلوب

تتسم الترجمة القانونية بصعوبتها التي تظهر جليةً عند نقل نص بين نظامين قانونيين مرتبطين بلغة المصدر ولغة الهدف، وهي بذاتها عملية معقدة في جوانب عديدة، تتطلب الخبرة والمهارة في التحليل والمقارنات القانونية.

أخطاء شائعة في ترجمة الصيغ والنماذج القانونية وكيفية تلافيها

من أبرز هذه الأخطاء الترجمة الحرفية للمصطلحات دون وعي بالفروق الجوهرية بين المفهومين، وعدم توحيد المصطلح داخل المستند الواحد، مما يوحي بوجود تفرقة مقصودة بين البنود، فضلًا عن إهمال التعريفات التعاقدية التي تضبط معاني المفردات في السياق القانوني.

من الأخطاء أيضًا الخلط بين صيغ الإلزام والتخيير، والتي تؤثر مباشرة في نطاق الإلتزام وقد تؤدي ترجمتها الخاطئة إلى نزاعات تحكيمية أو تعاقدية.

تتسبب كذلك أخطاء علامات الترقيم وبناء الجمل في تغيير مضمون الالتزامات، لا سيما عند اختلاف أنظمة الترقيم بين اللغتين، لذا ينبغي تلافي هذه الأخطاء من خلال تكليف مترجم متخصص مدرك للأنظمة القانونية المقارنة، وإعداد معجم خاص بالمشروع أو العقد المراد ترجمته، يتم فيه الاتفاق مسبقًا على مقابل محدد وثابت لكل مصطلح قانوني أو تقني يرد في النص قبل البدء بالترجمة، ثم إجراء مراجعة قانونية متخصصة من محامٍ متمرس يضمن دقة النص واتساقه مع مقتضيات النظام القانوني المستهدف.

منهجية المترجم القانوني بين النص والنماذج والصياغة

تعتمد منهجية المترجم القانوني المحترف على ثلاث عناصر هي النص، النموذج والصياغة، حيث يبدأ عمله قبل الترجمة بالتحليل القانوني للنص لتحديد طبيعته ونظامه والآثار المترتبة عليه.

تأتي بعد ذلك المرحلة الثانية، وتتمثل في توظيف النماذج والقوالب المعتمدة في النظام القانوني المستهدف، وهنا تبرز أهمية الرجوع إلى نماذج النظم القانونية المقارنة لفهم الفروق المؤسسية واختيار القالب الأنسب.

أما مرحلة الصياغة النهائية فتقوم على إعادة بناء النص بدقة، ونقل المعاني والآثار القانونية وفق أعراف الصياغة المعمول بها في النظام القضائي الهدف؛ ويتم اختيار المصطلحات مثل "يجب" و"يجوز" و"يحق" بعناية لأنها تحدد نطاق الالتزام ودرجة إلزاميته، ولهذا، لا تكتمل هذه المنهجية إلا بمراجعة قانونية متخصصة من محامٍ متمرس، لضمان دقة النص واتساقه مع مقتضيات النظام القانوني المستهدف وإغلاق دائرة الجودة التي تبدأ بالنص وتنتهي بالصياغة المعتمدة على النموذج السليم.

نقدم في مكتب سهل للمحاماة الترجمة القانونية ضمن خدماتنا المقدمة تحت إشراف نخبة من المحامين والمترجمين القانونيين المعتمدين، ممّن يجمعون بين الخبرة القضائية والتمكّن اللغوي في آنٍ واحد. 

ونضمن لك ترجمة دقيقة لعقودك ولوائحك ومذكراتك القانونية وفق أعلى معايير الجودة والسرية التامة، مع الالتزام بأعراف الصياغة القانونية المعمول بها في النظام المستهدف.. تواصل معنا الآن للمزيد من المعلومات.


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.