تعد المسؤولية التقصيرية ضمن الدعائم الأساسية في نظام المعاملات المدنية السعودي الجديد، وهي الآلية القانونية التي تضمن حماية الأفراد والمؤسسات من الأضرار التي قد تلحق بهم نتيجة أفعال الغير.
وقد شهدت المملكة العربية السعودية نقلة نوعية في تنظيم المسؤولية المدنية مع دخول نظام المعاملات المدنية حيز التنفيذ في 16 ديسمبر 2023، حيث تم تقنين الأحكام التي كانت تستند سابقًا إلى اجتهادات فقهية متنوعة.
وسوف نستعرض في هذا المقال الشامل مفهوم هذه المسؤولية وأركانها وأحكامها في القضاء السعودي، مستندين في ذلك إلى نصوص هذا النظام وتحليلات الخبراء القانونيين.
يستند مفهوم المسؤولية التقصيرية في النظام السعودي إلى أحكام الشريعة الإسلامية، وبخاصة قاعدة "لا ضرر ولا ضرار" التي تعد أصلًا من أصول الفقه الإسلامي في مجال الضمان، وقد تبلورت هذه القاعدة في نظام المعاملات المدنية بنصوص واضحة، حيث نصت المادة 120على أن كل خطأ يتسبب في ضرر للغير يلزم مرتكبه بالتعويض، ومن هنا نفهم أن الالتزام بالتعويض ينشأ مباشرة عن الفعل الضار دون الحاجة إلى وجود علاقة تعاقدية بين الطرفين.
تعتمد المسؤولية التقصيرية على خمس مصادر رئيسية للالتزامات وفق النظام الجديد، وهي: العقود، الأفعال الانفرادية، الأفعال الضارة "التقصير"، الإثراء بلا سبب، والنصوص النظامية، ويتميز هذا النظام بأنه لا يمكن التنازل عنه أو تقييده باتفاق الأطراف، على عكس المسؤولية العقدية التي يجوز فيها الاتفاق على تحديد نطاقها أو استبعادها في حدود معينة.
يتمثل الفرق بين المسؤولية التقصيرية والمسؤولية العقدية في مصدر الالتزام الذي أخل به المسؤول، حيث تنشأ المسؤولية العقدية عن الإخلال بالتزام ناتج عن عقد قائم بين الطرفين، أي أن مصدر الالتزام هو إرادة المتعاقدين، أما المسؤولية التقصيرية فتنشأ عن الإخلال بالتزام عام يفرضه القانون على الكافة، وهو الالتزام بعدم الإضرار بالغير، دون أن تكون هناك علاقة تعاقدية سابقة تربط بين الطرفين.
يختلف كذلك عبء الإثبات بين النوعين؛ ففي المسؤولية العقدية يتحمل المدين عبء إثبات أنه قام بالتزامه العقدي، بينما في المسؤولية التقصيرية يقع عبء إثبات الخطأ والضرر والعلاقة السببية على عاتق المتضرر نفسه.
تقوم المسؤولية التقصيرية في القضاء السعودي على ثلاثة أركان مترابطة، حددها النظام بشكل واضح وأجاز للمحاكم سلطة تقديرية واسعة في تطبيقها، وهي:
وهو كل انحراف عن السلوك الذي يفرضه القانون أو العرف أو مقتضى الواجب الاجتماعي، وقد وسع النظام الجديد من نطاق مفهوم الخطأ ليشمل:الخطأ المتعمد: كالاعتداء المتعمد على النفس أو المال أو العرض.الخطأ غير متعمد: مثل التسبب في حادث مروري بسبب السرعة الزائدة أو عدم الانتباه.
وقد أدخل النظام الجديد تطورات مهمة، مثل تقنين ما يعرف بالقرائن القضائية في إثبات الخطأ، حيث يمكن للمحكمة أن تستنتج وجود الخطأ من ظروف الواقعة دون حاجة إلى دليل مباشر، خاصةً في قضايا مثل حوادث السير أو أخطاء المهن الطبية.
وهو الأثر السلبي الذي يصيب الشخص في نفسه أو ماله أو عرضه، ويشترط لقيام المسؤولية أن يكون الضرر:
كما ينقسم الضرر في المسؤولية التقصيرية إلى نوعين، هما:
وتؤكد المادة 136 من النظام مبدأ التعويض الكامل، حيث تنص على أن التعويض يجب أن يعيد المتضرر إلى الحالة التي كان عليها لو لم يقع الضرر.
يشترط لقيام المسؤولية أن تكون هناك علاقة سببية مباشرة بين الخطأ المرتكب والضرر الواقع، أي يكون الضرر نتيجة طبيعية للخطأ، وليس مجرد مناسبة أو سبب غير مباشر.
لذا، ينفي العلاقة السببية القوة القاهرة، وهي الأحداث الاستثنائية ذات الطابع العام التي لا يمكن توقعها أو دفعها، وكذلك خطأ الغير إذا كان الضرر ناتجًا عن فعل شخص آخر لا علاقة للمدعى عليه به، وخطأ المتضرر نفسه، أي إذا ساهم المتضرر بخطئه في إحداث الضرر أو زيادته.
لمزيد من التوضيح، نقدم لك مجموعة من الأمثلة التي تجمع بين الخطأ والضرر وعلاقة السببية في مجالات متنوعة:

تتضمن أحكام المسؤولية التقصيرية عدة جوانب مهمة، منها على سبيل المثال:
المسؤولية عن الفعل الشخصي، فالأصل العام هو أن الشخص مسؤول عن أفعاله الضارة، سواء صدرت عنه مباشرة أم بواسطة من يستخدمه.
المسؤول عن العمل يكون مسؤولًا تجاه المتضرر عن الضرر الذي يحدثه تابعُه بخطئه أثناء تأدية عمله أو بسبب هذا العمل، إذا كانت للمسؤول سلطة فعلية في توجيه التابع والإشراف عليه.
وهذا يعني أن المؤسسات والشركات في السعودية أصبحت تتحمل مسؤولية أخطاء موظفيها أثناء العمل، مما يترتب عليه: زيادة الاهتمام بتدريب الموظفين وتأهيلهم، وتطوير أنظمة السلامة والرقابة الداخلية، مع ضرورة مراجعة وثائق التأمين لتغطية هذه المخاطر الجديدة.
من يملك حيازة أو حراسة شيء يمكن أن يسبب ضررًا للغير (كالحيوانات، الآلات، المباني المائلة، أو المواد الخطرة) فهو مسؤول عن الضرر الذي يحدثه هذا الشيء، إلا إذا أثبت أن الضرر ناتج عن سبب أجنبي لا دخل له فيه، مثل القوة القاهرة أو خطأ المتضرر.
ينص النظام أيضًا على أنه إذا تعدد المسؤولون عن فعل ضار، كانوا متضامنين في الالتزام بالتعويض، وتحدد المحكمة حصة كل منهم في التعويض، وإذا تعذر ذلك، وزعت المسؤولية بينهم مناصفة.
وإذا ساهم المتضرر بخطئه في إحداث الضرر أو زيادته، فإن حقه في التعويض يسقط أو ينقص بنسبة مساهمته في الضرر.
عالج نظام المعاملات المدنية السعودي مسؤولية ناقص الأهلية كالصغير غير المميز والمجنون، حيث أقر مبدأ التعويض من مال غير المميز في حال تعذر الحصول على التعويض من المسؤول عنه "الولي أو الوصي"، وهذا المبدأ يضمن عدم ضياع حق المضرور بحجة أن المعتدي غير مكلف شرعًا أو قانونًا، فالمسؤولية المدنية هنا تتعلق بجبر الضرر المالي وليست عقوبة جنائية.
هناك حالات استثنائية يرتكب فيها الشخص فعلًا ضارًّا لكنه يعفى من المسؤولية أو يخفف عنه، وهي:
يمكن تصنيف المسؤولية التقصيرية إلى ثلاث أنواع رئيسية، هي:
يتضمن التعويض في المسؤولية التقصيرية: التعويض العيني وهو إعادة الحال إلى ما كان عليه قبل الضرر، كإصلاح السيارة المتضررة أو إعادة الشيء إلى أصله، والتعويض المالي.
ويكون التعويض المالي في حالتين، إذا تعذر التعويض العيني مثل ما يكون في حالات الضرر الأدبي أو الفقدان الكلي للشيء، أو إذا طلب المتضرر التعويض المالي، وله الخيار في ذلك.
ينص النظام أيضًا على فترة تقادم مدتها ثلاث سنوات لدعاوى التعويض الناشئة عن الأفعال الضارة، تبدأ من اليوم الذي علم فيه المتضرر بالضرر ومن المسؤول عنه، وتسقط الدعوى في جميع الأحوال بمرور عشر سنوات من تاريخ وقوع الفعل الضار، وهذه الفترات إلزامية ولا يجوز الاتفاق على مخالفتها.
القاعدة العامة في الإثبات هي: "البينة على من ادعى"، وعلى المتضرر إثبات توافر الأركان الثلاثة: الخطأ، والضرر، والعلاقة السببية، ومع ذلك، هناك استثناءات مهمة، حيث يجوز للمحكمة الاعتماد على قرائن تحيل إلى وجود الخطأ، خاصةً في الحالات التي يصعب فيها الإثبات المباشر.
وهناك حالات معينة مثل المسؤولية عن عمل الغير أو عن حراسة الأشياء، حيث يفترض النظام فيها وجود الخطأ وعليه نفي المسؤولية.
أما القضايا المعقدة مثل الأخطاء الطبية أو الهندسية، فتعتمد المحاكم فيها على تقارير الخبراء لتحديد مدى توافر الخطأ والعلاقة السببية.
ختامًا، استعرضنا في هذا المقال تفاصيل المسؤولية التقصيرية في القضاء السعودي، بما في ذلك مفهومها وأركانها الثلاثة وأحكامها وأنواعها ورأينا كيف أن نظام المعاملات المدنية الجديد أحدث نقلةً نوعية في تنظيم هذا المجال الحيوي، من خلال تقنين المسؤولية التبعية، وتوسيع نطاق التعويض ليشمل الأرباح الفائتة، وتحديد فترات تقادم واضحة للدعاوى.
فإذا كنت تعتقد أنك تعرضت لضرر ناتج عن خطأ غيرك، أو إذا كنت تواجه دعوى مسؤولية تقصيرية ضدك، فإن أول خطوة يجب أن تتخذها هي توثيق كل شيء من خلال جمع كافة الأدلة المتعلقة بالواقعة، ثم التواصل مع محامي متخصص في القانون المدني السعودي ليقيم موقفك القانوني ويساعدك في اتخاذ الإجراءات المناسبة.
