03 Oct
03Oct

تشهد المملكة العربية السعودية تطور ملحوظ بخصوص العمل في محاكمها، فالمملكة تحرص دائماً على تسهيل وتبسيط حياة  المواطنين في كافة مجالات الحياة، ونظراً لكثرة التعاملات بين الأفراد داخل المجتمع السعودي والتي يمكن أن ينتج عنها الكثير من النزاعات وإدعاء الحقوق وإنكار الأفعال، حيث يشكل تزايد الأطراف المتخاصمة في السعودية والمتمثلة في الكثير والكثير من القضايا مشكلة يجب الوقوف على حالها بشتى الطرق الضامنة لحقوق كل الأطراف دون أي إنحياز وتوفيراً للجهد والأموال، وهنا يأتي دور وزارة العدل السعودية والمشهود لها بما تقوم به من تطورات إجرائية إزاء تدارك أزمة كثرة القضايا في المملكة، حيث تم وضع الحلول السريعة لحل النزاعات بالتراضي، وتسمى تلك الحلول بالمصالحة، والمصالحة ما هي إلا وسيلة رضائية لحل النزاعات والخصومات بشكل ودي، وبما يحقق العدالة للجميع دون الإلتجاء إلى أروقة المحاكم وجلساتها، كما أن المصالحة تتم بمخرجات تنفيذية تضمن للأطراف كافة حقوقهم، والجدير بالذكر أن وسيلة المصالحة لحل النزاعات تتم عن طريق مركز المصالحة والمكاتب التابعة وفق تنظيم مركز المصالحة، بجانب قواعد العمل في مكاتب المصالحة وإجراءاته، حيث يعد كل ذلك نقلة نوعية وخطوات تطويرية وتحديثية تُحسب لوزارة العدل في جعل حياة المواطنين أسهل، ومن هذا المنطلق وعلى أثر أهمية المصالحة في المملكة العربية السعودية كوسيلة رضائية لحل الكثير من النزاعات، سوف نسلط الضوء في هذا المقال على كافة النقاط الخاصة بتلك الوسيلة، بداية من الدعاوى التي يجب اللجوء فيها للمصالحة قبل قيدها في المحاكم، ويتبع التحدث عن مركز المصالحة ومكاتبه والعاملين فيه وإلتزاماتهم، وتوضيح إجراءات المصالحة في السعودية.

أولاً: تعريف المصالحة وبيان الدعاوى التي يجب اللجوء فيها للمصالحة قبل قيدها في المحكمة

تم تعريف المصالحة في المادة الأولى من تنظيم مركز المصالحة في السعودية، وأيضا المادة الأولى في قواعد العمل في مكاتب المصالحة وإجراءاته، بأنها وسيلة رضائية لتسوية المنازعات تتولاها مكاتب المصالحة سواء كان الصلح كلي أو جزئي. وقبل التحدث عن الدعاوى التي يجب اللجوء فيها للمصالحة قبل قيدها في المحكمة في السعودية، فتجدر الإشارة إلى أن المادة السابعة والخمسون من اللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية أكدت على سريان أحكام مكاتب المصالحة على أي منازعة تجارية مالم يتفق الأطراف على إجراءات خاصة، أما المادة الثامنة والخمسون من ذات اللائحة كشفت عن الدعاوى التي يجب اللجوء فيها للمصالحة قبل قيدها في المحكمة وهي منازعات الشركاء في شركة المضاربة، والمنازعات التي تنشأ بين التجار بسبب أعمالهم التجارية الأصلية أو التبعية و الدعاوى المقامة على التاجر في منازعات العقود التجارية متى كانت قيمة المطالبة الأصلية فيهم لا تزيد على مليون ريال سعودي، وكذلك الدعاوى التي يكون أطرافها زوجين أو تربطهم صلة قرابة إلى الدرجة الرابعة، والدعاوى المتعلقة بالعقود التي تتضمن الإتفاق كتابة على اللجوء إلى المصالحة قبل اللجوء إلى القضاء.

ثانياً: التحقق من سبق اللجوء للمصالحة في السعودية

أوضحت المادة التاسعة والخمسون من اللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية أنه يتحقق سبق اللجوء إلى المصالحة بتقديم وثيقة بإنتهاء المصالحة بغير صلح أو بصلح في بعض المنازعات، أو تقديم ما يثبت البدء في إجراءات المصالحة ومضى ثلاثون يوماً كما هو منصوص في المادة الثامنة من نظام المحاكم التجارية السعودي، كما أنه لا يحول قيد الدعوى دون إستمرار عملية المصالحة، أما في حال عدم تقديم المدعى تلك الوثيقة المشار لها، فيلتزم المدعى بموجب المادة الحادية والعشرون من نظام المحاكم التجارية بإستفائها خلال خمسة عشرة يوماً من تاريخ إبلاغه بالإستيفاء، فإن قيدت الدعوى بعد الإستيفاء عدت مقيدة من تاريخ تقديم طلب القيد، وإن لم يتم إستيفائها عُد الطلب كأن لم يكن، ويحق لطالب القيد التظلم لدى رئيس المحكمة من عدم القيد خلال خمسة عشرة يوماً من تاريخ إبلاغه بعد القيد ويكون فصل رئيس المحكمة أو من ينوبه من قضاه المحكمة في التظلم نهائي.

ثالثاً: تعريف مركز المصالحة ومكاتب المصالحة في السعودية

مركز المصالحة هو مركز تم إنشائه في وزارة العدل يكون هدفه الأساسي وفق المادة الثالثة من نظام تنظيم مركز المصالحة، السعي إلى تسوية المنازعات صلحاً كحل رضائي بين الخصوم من خلال مكاتب مصالحة تكون تابعة له، وتنشأ تلك المكاتب وفق المادة الرابعة من ذات النظام في مقرات المحاكم أو كتابات العدل والمادة الثالثة من قواعد العمل في مكاتب المصالحة وإجراءاته بقرار من وزير العدل ويُحدد في القرار المحكمة التي تصادق على محضر الصلح، ويتكون كل مكتب من مصلح أو أكثر، وهم من يتولون مهام المصالحة بين الأطراف، يتم إختيارهم من منسوبي وزارة العدل أو من موظفي الدولة بعد أخد موافقة جهات عملهم، ويمكن أن يكونوا من غيرهم ممن تتوافر فيهم الشروط المحددة من وزير العدل. كما يكون لمركز المصالحة وفق المادة الخامسة من تنظيم مركز المصالحة أمين عام يسمى بقرار من وزير العدل، ويتولى الأمين العام بموجب المادة السادسة من ذات النظام الإشراف على المركز ومكاتب المصالحة ومراقبة العاملين في المركز ومكاتب المصالحة، وأيضاً الإشراف على إعداد التقرير السنوي لرفعه لوزير العدل.

رابعاً: الإختصاص والإحالة لمركز المصالحة ومكاتبه في السعودية

بينت المادة الستون من اللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية أنه يحق للمحكمة في أي مرحلة إحالة الأطراف إلى المصالحة شريطة الحصول على موافقتهم ويتم إثبات ذلك في محضر القضية، هذا بالإضافة لنص المادة الثانية من قواعد العمل في مكاتب المصالحة وإجراءاته التي بينت إختصاص مكاتب المصالحة بالمنازعات المحالة من المحاكم والمنازعات التي يحيلها أطرافها أو بعضهم إلى مكاتب المصالحة إبتداء أو بعد البدء في نظر المنازعة في أي مرحلة من مراحل الدعوى مع مراعاة إشعار ناظر القضية، كما أن مكاتب المصالحة لا يحق لها المصالحة فيما لا يجوز الصلح فيه شرعاً ولا ما ليس لأطراف المصالحة حق الصلح فيه ولا ما يخالف نظاماً. 

خامساً: إستعانة مكاتب المصالحة بمصلحين من غير منسوبي وزارة العدل

  أفادت المادة السادسة من الفصل الثالث من قواعد العمل في مكاتب المصالحة وإجراءاته، بأنه يجوز لمكاتب المصالحة الإستعانة بمصلحين من غير منسوبي وزارة العدل من القطاع الحكومي والخاص وغير الربحي، شريطة إعتمادهم وتسجيلهم وتوافر الشروط المنصوص عليها في المادة السابعة من ذات النظام وهم كمال أهلية المصلح وتوافر حسن السيرة والسلوك وعدم الحكم عليه بحكم مخل بالأمانة والشرف ما لم يرد إليه إعتباره، وألا يقل مؤهله عن الشهادة الجامعية، بجانب حضور الدورات التدريبية التي يحددها المركز، وإجتياز الإختبار المُعد من مركز المصالحة، وإجتياز المقابلة الشخصية، وإجتياز التدريب العملي بحضور ما لا يقل عن عشر جلسات مصالحة فعلية عند أحد المصلحين المعتمدين من مركز المصالحة بغرض التدريب. كما أنه وفق المادة الثامنة من قواعد العمل في مكاتب المصالحة وإجراءاته فإن مركز المصالحة يعد سجل لقيد أسماء المصلحين المسجلين ويبلغ هذا السجل لجميع مكاتب المصالحة، ويتاح الإطلاع على معلوماته الأساسية للعموم. والجدير بالذكر أن مركز المصالحة يتولى تفعيل الإستعانة بالمصلحين المسجلين والمساهمة في تطويرهم ورفع كفاءتهم من خلال الربط الإلكتروني مع المصلحين المسجلين، والعمل على توفير التدريب والتأهيل اللازمين بشكل مباشر أو بالشراكة مع القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية، وأيضاً تهيئة أماكن مناسبة للمصلحين المسجلين داخل مكاتب المصالحة حسب الإمكانيات المتاحة.

سادساً: إجراءات المصالحة في السعودية 


1- قيد الطلبات في مكاتب المصالحة

تضمن الفصل الرابع من قواعد العمل في مكاتب المصالحة إجراءات المصالحة، حيث بينت المادة الثالثة عشرة ضوابط قيد المصالحة وإحالتها، بحيث يحال طلب المصالحة من المحاكم وفق النموذج المعتمد من مكتب المصالحة في نفس المحكمة المرفوع لديها الدعوى، وفى حال لم يكن في المحكمة مكتب مصالحة فتحال إلى مكتب المصالحة الذي يحدده مركز المصالحة. ومن ناحية أخرى إذا تقدم الأطراف أو أحدهم بطلب المصالحة من غير إحالة من المحكمة، فيقدم الأطراف أو أحدهم الطلب للمركز أو مكاتب المصالحة وفق النموذج المعتمد، ويتولى في هذه الحالة المصالحة المكتب الذي تقدم إليه الأطراف أو الجهة التي يحددها المركز. ويتم قيد طلب المصالحة يوم إحالته، ويعطى رقم يميزه، كما يحيل مدير مكتب المصالحة المختص أو من يفوضه طلب المصالحة إلى المصلحين من منسوبي الوزارة أو المصلحين المسجلين بمراعاة المصلحة والتعليمات التي يصدرها المركز ورغبة الأطراف ما أمكن.

2- تحديد موعد الجلسات ومكانها وإبلاغ الأطراف 

أوضحت المادة الرابعة عشرة من قواعد العمل في مكاتب المصالحة وإجراءاته أن مكتب المصالحة يحدد موعد أول جلسة للمصالحة خلال أربعة عشرة يوماً من تاريخ قيد طلب المصالحة، وذلك ما لم ينص المركز ففي المنازعة محل المصالحة على مدد أخرى. يتم إبلاغ أطراف المصالحة بموعد الجلسة عن طريق مكتب المصالحة أو طالب الصلح، كما أنه في حال غياب الأطراف أو أحدهم، فيتم تحديد موعد أخر خلال سبعة أيام من الموعد الأول ويراعى تناسب الموعد مع الأطراف ما أمكن، ويجب التنويه على إنه في حال غياب الأطراف أو أحدهم للمرة الثانية أو تعذر تبليغهم، فأنه يتم حفظ طلب المصالحة، ويتم إبلاغ المحكمة المحلية إذا كان الطلب محال منها. وبالحديث عن عقد الجلسات، فإن جلسات المصالحة تعقد في مقر مكتب المصالحة، ويجوز عقد تلك الإجتماعات إلكترونياً عن بُعد أو في مقر أخر مناسب.

3- حضور جلسات المصالحة

  وضعت المادة الخامسة عشرة من قواعد العمل في مكاتب المصالحة وإجراءاته ضوابط حضور جلسات المصالحة، بحيث يقتصر حضورها على المصلح، وأطراف المصالحة الأصليين بجانب حقهم في توكيل من يحضر نيابة عنهم بشرط وجود وكالة تخول الوكيل الصلح، كما يحضر عن الشخصية الإعتبارية ممثلها النظامي الذى له صلاحية الصلح أو من يوكله، ويكون أيضاً حق حضور جلسات المصالحة لوكلاء أطراف المصالحة ولو مع حضور من وكلهم، وأيضاً من يقبل جميع الأطراف حضوره قبل المصالحة أو أثناءها ومن يرى المصلح حضوره.

4- حالات إنتهاء المصالحة في السعودية

  كشفت المادة الثامنة عشرة من قواعد العمل في مكاتب المصالحة وإجراءاته عن الحالات التي بتوافرها تنتهى المصالحة، كتوصل أطراف المصالحة إلى صلح منهي للخصومة، أو إذا غاب أحد أطراف المصالحة عن جلسات المصالحة، أو إذا إنسحب أحد أطراف المصالحة في أي مرحلة من مراحلها، أو إذا تعذر الصلح من أحد أطراف المصالحة لوفاته أو إنقضاء شخصيته الإعتبارية أو غير ذلك، أو إذا تجاوزت جلسات المصالحة عدد ثلاث جلسات أو زادت مدتها عن ثلاثون يوم، أو إذا رأى المصلح عدم جدوى المضي في إجراءات المصالحة أو تكررت مخالفة أطرافها لآداب المصالحة وإجراءاتها.

5- محضر الإنتهاء من المصالحة وإعتماده في السعودية

  أوضحت المادة الحادية والستون من اللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية في السعودية أنه إذا توصل الأطراف موضوع النزاع إلى المصالحة بعد قيد القضية، أثبتوا ما إتفقوا عليه في محضر صلح، يوقع من الخصوم ومن الموظف المختص ويذيل بالصيغة التنفيذية، كما أنه بموجب المادة الثانية والستون من ذات النظام في حال إنتهاء المصالحة بسند تنفيذي بموجب أحكام نظام التنفيذ، تزود المحكمة بصورة منه وتعد الدعوى منقضية. كما تجدر الإشارة أيضاً إلى أنه في حال تم الإتفاق ولو بعد قفل باب المرافعة أو أمام المحكمة المعترض أمامها، فإنه وفق نص المادة الثالثة والستون من اللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية ستسري أحكام الفقرة الثانية من المادة التاسعة والعشرون من نظام المحاكم التجارية السعودي والتي تنص على أنه إذا إتفق الأطراف على الصلح أمام الدائرة أثبت ذلك في محضر الجلسة، ويوقع الأطراف عليه ويعتمده رئيس الجلسة، ويعد محضر الجلسة المعتمد سنداً تنفيذي، وتسلم صورته وفقاً لإجراءات تسليم الأحكام، وتعد الدعوى منقضية. وفى نفس الصدد ما نصت عليه المادة التاسعة عشرة من قواعد العمل في مكاتب المصالحة وإجراءاته بخصوص تحرير محضر جلسات المصالحة، حيث أنه سواء إنتهت المصالحة بغير صلح أو بصلح في بعض المنازعة أو بصلح كامل، فإنه يجب على المصلح تحرير محضر به يشمل كافة البيانات والإجراءات الخاصة بالمصالحة، مع إشعار المحكمة المحلية إذا كانت القضية محالة منها. 

ويتم بعد تحرير المحضر إعتماده من مدير مكتب المصالحة الذي جرى فيه الصلح أو الأمين العام أو من يفوضه وذلك بعد توقيع المصلح والأطراف عليه، كما يعد محضر الصلح ملزم لأطراف المصالحة بالتوقيع عليه، وبعد إعتماده يكون سند تنفيذي تطبق عليه أحكام السندات التنفيذية، ولا يحق لأحد أطراف المصالحة فسخ محضر الصلح بعد لزومه أو إبطاله إلا بموافقة جميع الأطراف أو لمقتضى شرعي أو نظامي.

قد يهمك أيضاً: 


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.