تمثل أهداف الحوكمة في القطاع العام عنصرًا أساسيًّا تستند إليها أي استراتيجية وطنية طموحة وفي مقدمتها رؤية المملكة العربية السعودية 2030.
لم تعد الحوكمة في الوقت الحالي مجرد إجراءات رقابية تقليدية، بل تحولت إلى سياسة إدارية شاملة تستهدف إعادة هيكلة العمل الحكومي من الداخل، ليكون أكثر شفافيةً وكفاءة واستجابة لتطلعات المواطن.
وبما أن المملكة تسعى إلى بناء دولة المؤسسات وتعزيز ثقة المجتمع والقطاع الخاص، فقد جعلت من أهداف الحوكمة في القطاع الحكومي جسرًا حيويًّا تعبر من خلاله الأجهزة الحكومية نحو نموذج تشغيلي قادر على المنافسة عالميًّا.
وبناءً على ذلك، نحاول في هذه المقالة أن نسلط الضوء على أهم هذه الأهداف وكيف تشكل خارطة طريق حقيقية لتمكين القطاع العام من قيادة مسيرة التحول الوطني، وترجمة تطلعات الرؤية إلى واقع ملموس ينعم به كل مواطن.
يكتسب مفهوم الحوكمة في القطاع العام حضورًا متزايدًا في الخطاب الإداري المعاصر، نظرًا لدوره الكبير في الارتقاء بأداء المنشآت وضمان استدامتها.
وقد أقرّ مجمع اللغة العربية مصطلح "الحوكمة" بوصفه المقابل العربي لمصطلح "الإدارة الرشيدة"، والذي يعود بأصوله الاشتقاقية إلى الكلمة الإغريقية القديمة "Governance" التي تختزل استعارة بالغة الدلالة؛ تتمثل في قدرة ربّان السفينة على الإبحار بركّابه وممتلكاتهم إلى شاطئ الأمان، بفضل ما يتحلّى به من مهارة فائقة وحسّ تدبيري رفيع.
أمّا اصطلاحًا، فتعرّف الحوكمة بأنها إطار متكامل من الأنظمة والضوابط والقواعد الحاكمة التي تؤطّر شبكة العلاقات بين أصحاب المصلحة، وتكرّس جملةً من المبادئ الجوهرية كالعدالة والشفافية وتكافؤ الفرص.
لم يكن تطوير الحوكمة بمفهومها هذا وليد رؤية 2030، بل سبقته جهود تأسيسية طويلة، حيث صدرت العديد من الأنظمة خلال العقود الماضية أرست قواعد العمل المؤسسي مثل نظام مجلس الوزراء الصادر عام 1414هـ، والذي نظم آلية اتخاذ القرار على أعلى المستويات، ونظام المناطق الصادر عام 1412هـ، والذي عزز اللامركزية الإدارية ورفع كفاءة الخدمات في مختلف مناطق المملكة.
وعلى صعيد النزاهة ومكافحة الفساد، تأسست هيئة الرقابة والتحقيق منذ عام 1391هـ، مواكبةً لتوجّه الدولة نحو ضمان الامتثال الإداري، ثم تلا ذلك إقرار الاستراتيجية الوطنية لحماية النزاهة ومكافحة الفساد في عام 2007، والتي مثّلت نقلة نوعية في منهجية معالجة الفساد وحماية المال العام، كما حملت خطة التنمية التاسعة (2010-2014) في طياتها توجهات واضحة نحو تعزيز كفاءة الأجهزة الحكومية كركيزة أساسية للتنمية المستدامة.
لقد شكلت هذه التراكمات التشريعية والمؤسسية قاعدةً صلبةً مهدت لتأسيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد "نزاهة" عام 2011، وأرست المبادئ الأولى للحوكمة الرشيدة التي قامت عليها رؤية 2030 لاحقًا.
من خلال تطبيق مبادئ الحوكمة الرشيدة، تستطيع المؤسسات الحكومية الانتقال من الدور التقليدي إلى مرحلة الريادة في الأداء، مما يضمن حماية المال العام وتحقيق تطلعات المجتمع بكفاءة واقتدار، وتتجلى أهمية الحوكمة في القطاع العام فما يلي:
بعد الوقوف على مفهوم الحوكمة في القطاع العام وأهميتها، يتّضح أن تطبيقها لا يسير وفق نموذج أحادي، بل يتفرع إلى مسارات متخصصة يستهدف كل منها جانبًا حيويًّا من العمل الحكومي.
تشكّل هذه الأنواع في مجموعها منظومة متكاملة تغطي الأبعاد المؤسسية والمالية والرقمية والبيئية والاجتماعية، فتضمن تحقيقًا متوازنًا لأهداف التنمية المستدامة.
وفيما يلي عرض موجز لأبرز هذه الأنواع ودور كل منها في دعم الأداء الحكومي وتعزيز ثقة المستفيدين:
تركز على بناء هياكل تنظيمية متينة تضمن الالتزام بالمعايير القانونية والرقابية، بهدف رفع كفاءة الإدارة الداخلية وتحقيق الأهداف المؤسسية بدقة.
تهتم بتعزيز الشراكة بين الحكومة والمجتمع، وتوزيع الخدمات بعدالة، وإشراك المواطنين في صنع القرارات المؤثرة في حياتهم.
تختص بترشيد إدارة الأموال العامة وتخصيص الميزانيات بعدالة وفعالية، بهدف تعزيز شفافية الإنفاق وتقليص الأخطاء وزيادة ثقة الجمهور.
تهتم بدمج المعايير البيئية في المشاريع الحكومية، لضمان استدامة الموارد الطبيعية وتحسين جودة الحياة.
تهدف إلى توظيف التكنولوجيا الرقمية لتسهيل الخدمات الحكومية وتتبّع الأداء، بهدف تحسين الكفاءة وسرعة الوصول.
تقوم منظومة الحوكمة على مجموعة من العناصر الأساسية، بما في ذلك:

تختلف حوكمة القطاع العام عن حوكمة القطاع الخاص في عدة جوانب أساسية، تعكس اختلاف طبيعة كل منهما وأهدافها النهائية، حيث يتمثل الهدف الرئيسي للحوكمة في القطاع الخاص في تعظيم الأرباح للمساهمين، بينما تنصبّ في القطاع العام على خدمة المصلحة العامة وتحقيق الرفاهية المجتمعية، كما ينعكس هذا التباين على أصحاب المصلحة؛ إذ يركّز القطاع الخاص على المساهمين والعملاء والموظفين، في حين تتسع دائرة أصحاب المصلحة في القطاع العام لتشمل المواطنين والحكومة والمجتمع بأكمله.
أما من حيث التمويل، فيعتمد القطاع الخاص على رأس المال والأرباح الذاتية، بينما يستند القطاع العام إلى الميزانية العامة والضرائب، مما يترتب عليه اختلاف واضح في آليات المساءلة؛ فالأول مسؤول أمام مجلس الإدارة والمساهمين، بينما يخضع الثاني للمساءلة أمام البرلمان والجهات الرقابية والمواطنين، كما تبرز الشفافية كعنصر أعلى بكثير في القطاع العام لضمان ثقة الجمهور، في حين تكون محدودة في القطاع الخاص وفقًا للمتطلبات القانونية فحسب.
تختلف المرونة أيضًا بشكل واضح؛ إذ يتسم القطاع الخاص بقدرة عالية وسرعة في اتخاذ القرارات، بينما تتباطأ وتيرة القطاع العام بسبب صرامة الإجراءات القانونية والتنظيمية، وكذلك قياس الأداء، حيث يعتمد في القطاع الخاص على مؤشرات مالية صرفة مثل الربحية والعائد على الاستثمار، فيما تتعدد مؤشرات القطاع العام لتشمل جودة الخدمة والرضا المجتمعي والأثر الاجتماعي.
على جانب آخر، يتقيد القطاع الخاص بالقوانين التجارية والمعايير الدولية، في حين يلتزم القطاع العام بالقوانين الإدارية والتنظيمية والرقابية الحكومية، مما يؤكد خصوصية كل نموذج ومتطلباته الفريدة.
تبنّت المملكة حزمةً من الإصلاحات التشريعية الرئيسية، شكّلت في مجملها منظومةً قانونيةً محفّزةً لتطبيق مبادئ الحوكمة في القطاع الحكومي، وقد توّجت هذه الجهود بموافقة مجلس الوزراء على "الدليل الاسترشادي لحوكمة الجهات العامة" في عام 1446هـ، ليكون مرجعًا موحدًا يرسّخ مبادئ الشفافية والمساءلة وكفاءة اتخاذ القرار في الأجهزة الحكومية.
وتعززت هذه المنظومة بإصدار نظام المنافسات والمشتريات الحكومية الجديد، الذي أسس لبوابة إلكترونية موحدة تعزز النزاهة وتكافؤ الفرص وتمنع تضارب المصالح في إجراءات التعاقد الحكومي، كما جاء نظام هيئة الرقابة ومكافحة الفساد ليمنح هيئة "نزاهة" صلاحيات واسعة شملت التحقيق والادعاء الجنائي، لتعزيز المساءلة وحماية المال العام.
وفي سياق التحول الرقمي، صدر نظام حماية البيانات الشخصية ليشكل إطارا قانونيا يحكم معالجة البيانات الحكومية ويحمي خصوصية الأفراد، في حين عزز نظام الشركات الجديد مبادئ الشفافية والإفصاح والامتثال لمعايير الحوكمة المؤسسية.
تعتمد متابعة التقدم نحو مستهدفات رؤية المملكة 2030 على منظومة دقيقة ومتكاملة لقياس أهداف الحوكمة في القطاع العام، يرتكز أحد أهم دعائمها على المركز الوطني لقياس أداء الأجهزة العامة "أداء"، الذي أنشئ خصيصًا ليكون المرجع الرسمي لقياس كفاءة وفعالية القطاع العام، من خلال تطبيق نماذج وأدوات موحدة وإصدار تقارير دورية عن مستوى الإنجاز.
وقد أسفرت ثمار هذا النهج في النتائج غير المسبوقة التي أعلن عنها التقرير السنوي لرؤية 2030 لعام 2025، والذي كشف عن بلوغ 93% من مؤشرات الأداء مستهدفاتها المرحلية أو تجاوزها، من بين 390 مؤشرا مفعّلا، إلى جانب اكتمال 935 مبادرة استراتيجية.
ويعكس هذا الإنجاز الكفاءة العالية لإطار الحوكمة الذي تبنته المملكة، حيث تقوم فلسفة القياس على تبنّي مبدأ الشفافية لضمان المساءلة والمتابعة الدورية، مع إتاحة معرفة "خط الأساس" و"القيمة الفعلية" مقابل المستهدفات المرحلية والنهائية لكل مؤشر.
