15 قراءة دقيقة
11 Jan
11Jan

لا يكمن الفرق بين التحكيم والوساطة في اختلاف المصطلحات فحسب، بل هو اختلاف جوهري في الماهية والنتائج، فهما خياران بالغا الأهمية في حسم النزاعات الناشئة في القضايا التجارية.

نسلط الضوء في هذا المقال على الخط الفاصل بين التحكيم والوساطة، انطلاقًا من تعريف كل آلية والطبيعة الإجرائية وحتى القوة التنفيذية للقرار الصادر عنهما.

وينبغي أن ننوه أن الفهم الجيد لهذه الفروق هو الخطوة الأولى نحو اختيار المسار الأنسب لحل النزاع، مع حفظ العلاقات التجارية وتحقيق العدالة المرجوة خارج قاعة المحكمة بأقل تكلفة وجهد. 

الفرق بين التحكيم والوساطة

ما هو التحكيم؟ 

لمعرفة الفرق بين التحكيم والوساطة، فإن أول ما نبدأ به هو التعريف القانوني لكل منهما، وبالتالي، يعد التحكيم وسيلة قانونية بديلة لتسوية النزاعات خارج نطاق القضاء، حيث يتفق الطرفان المتنازعان على عرض نزاعهما على محكم أو أكثر، يتصفون بالحياد والاختصاص.

تتميز عملية التحكيم بدرجة عالية من التنظيم، تشبه التقاضي في المحاكم من حيث اتباع إجراءات محددة، بما في ذلك عقد جلسات استماع رسمية يتم فيها تقديم الأدلة والوثائق والاستماع إلى شهادات الأطراف والشهود والخبراء، وذلك وفقًا للقواعد الإجرائية المتفق عليها مسبقًا أو المنصوص عليها في نظام التحكيم السعودي أو قواعد إحدى المؤسسات الدولية المتخصصة.

يصدر المحكّم أو هيئة المحكمين في نهاية الإجراءات حكمًا ملزمًا قانونًا للطرفين، يتم تنفيذه كحكم قضائي نهائي، لا يخضع للاستئناف إلا في حالات محدودة ونادرة ينص عليها النظام. 

المزايا الأساسية للتحكيم

  1. السرعة والكفاءة، فالتحكيم عادةً يكون أسرع من إجراءات التقاضي.
  2. تتم جميع الإجراءات بسرية تامة، بعكس الجلسات القضائية العلنية.
  3. للأطراف حرية أكبر في اختيار المحكمين والجداول الزمنية والقواعد الإجرائية المناسبة لطبيعة نزاعهم.
  4. إمكانية اختيار محكمين متخصصين في المجال التجاري أو التقني محل النزاع.
  5. يتمتع الحكم الصادر من عملية التحكيم بقوة تنفيذية داخل المملكة العربية السعودية وفقًا لنظام التحكيم وكذلك في العديد من الدول الأخرى بموجب الاتفاقيات الدولية.

 

ما هي الوساطة؟

الوساطة هي إجراء طوعي بديل لتسوية النزاعات، يعمل فيه طرف ثالث محايد ومؤهل على تسهيل الحوار بين المتنازعين لمساعدتهم على التوصل بأنفسهم إلى حل مقبول ومشترك للنزاع.

في هذه الحالة، يقتصر دور "الوسيط" على التيسير واقتراح الحلول، دون أن تكون له سلطة فرض قرار أو إصدار حكم ملزم، وتظل السيادة الكاملة لقرار قبول أو رفض أي تسوية بين الأطراف، وتنتهي العملية بتوقيع اتفاق تسوية ودي بينهم إذا نجحوا، وهو اتفاق عادي تترتب عليه التزامات تعاقدية، وتعد الوساطة خيارًا مثاليًّا للحفاظ على العلاقات التجارية. 

المزايا الأساسية للوساطة

  1. ذات طابع ودي يحافظ على العلاقات بين الأطراف.
  2. سيطرة كاملة للأطراف على تصميم الحل النهائي.
  3. التركيز على المصالح وليس المواقف لإيجاد حلول مبتكرة.
  4. مرونة عالية في الإجراءات تتناسب مع طبيعة كل نزاع.
  5. سرية تامة تحمي المعلومات والسمعة التجارية.
  6. إمكانية حل النزاعات في أسابيع أو أشهر.
  7. تكلفة مادية أقل مقارنةً بالتقاضي أو التحكيم الرسمي.
  8. نتائج قابلة للتنفيذ طوعيا بنسبة التزام عالية.

 

الفرق بين التحكيم والوساطة: دور كل من المحكم والوسيط

يختلف دور كل من المحكم والوسيط اختلافًا جوهريًّا في تسوية المنازعات التجارية، ويركز هذا الاختلاف بشكل أساسي على طبيعة سلطتهما ومصير القرار النهائي للنزاع. وفيما يتعلق بدور الوسيط، فهو طرف محايد ومؤهل، يعمل بشكل أساسي كمسهل للحوار ومنظم للتفاوض، بينما لا يملك سلطة فرض حل معين أو إصدار قرار ملزم، وبالتالي تنحصر وظيفته فيما يلي:

دور كل من المحكم والوسيط
  1. تهيئة بيئة تواصل بناءة بين الأطراف المتنازعة.
  2. مساعدة الأطراف على تحديد نقاط الاتفاق والخلاف الحقيقية.
  3. اقتراح خيارات وبدائل للتسوية.
  4. صياغة اتفاق التسوية الذي توصل إليه الأطراف بأنفسهم.

 في هذه الحالة، تكون النتيجة النهائية في الوساطة هي اتفاق تعاقدي طوعي يبرمه الأطراف، وفشلها يعني عودة الأطراف إلى نقطة البداية، أو اللجوء إلى بدائل أخرى مثل: التحكيم أو التقاضي.

أما "المحكم" فهو طرف محايد ومتخصص، يتم تعيينه للفصل في النزاع وإصدار قرار يفصل فيه، وهنا يتحول المحكم إلى قاضٍ خاص بسلطات محدودة لكنها حاسمة، وتتمثل وظيفته فيما يلي:

  1. إدارة إجراءات التحكيم بشكل يشبه المحاكمة التي تتضمن الجلسات والأدلة والمستندات.
  2. تقييم الوقائع وتطبيق القانون أو قواعد العدالة.
  3. إصدار حكم نهائي وملزم للطرفين، شأنه شأن حكم المحكمة المختصة، ويقبل التنفيذ الجبري.

 وبناءً على ما سبق، يختار الأطراف التحكيم لما يتسم به المحكمون من خبرة متخصصة فنية أو قانونية في مجال النزاع، وبالتالي ضمان الفهم الدقيق لتعقيدات النزاع.

كما أن إمكانية تشكيل هيئة تحكيم مكونة من ثلاثة محكمين، تزيد من ثقة الأطراف في حيادية وموضوعية القرار الصادر، مما يجعل التحكيم خيارًا مثاليًّا للشركات التي تريد حلًّا سريعًا وفاصلًا يصدر عن خبراء.  

أيهما تختار: التحكيم أم الوساطة؟ 

لا يمكن أن نجزم بإجابة واحدة تناسب كافة الحالات، لأن الاختيار بين كل من التحكيم والوساطة يعتمد على عوامل متعددة، أهمها: طبيعة النزاع والأهداف الاستراتيجية للأطراف، لذا يمكن الاختيار بعد تقييم المعايير التالية: 

إذا كنت ترغب في:

  • الحفاظ على شراكات تجارية مستمرة بين الشركاء أو مع الموردين الأساسيين "على سبيل المثال".
  • تسوية مرنة بعيدًا عن النصوص القانونية، مثل إعادة هيكلة الاتفاقيات أو التعويض بطرق غير نقدية.
  • إبقاء النزاع وكل تفاصيله طي الكتمان، بعيدًا عن الأضواء العامة أو سجلات المحاكم.
  • أن يكون الاتفاق النهائي نتاج إرادتك وإرادة الطرف الآخر.
  • البحث عن عملية أقل تعقيدًا وإجراءات شكلية، لتوفير الوقت والمال والجهد.

 ففي هذه الحالة يكون خيار الوساطة هو الحل المثالي لتسوية النزاعات في القضايا التجارية. 

أما إذا كنت ترغب في:

  • حكم ملزم قانونًا عندما يتطلب الأمر إنهاء النزاع بشكل قاطع لا يقبل الطعن أو المراجعة.
  • خبرة متخصصة في النزاع، حين تكون القضية معقدة تقنيًّا أو قانونيًّا، وتحتاج إلى محكمين ذوي خبرة عميقة في المجال.
  • حكم يمكن تنفيذه محليًّا ودوليًّا أيضًا بموجب الاتفاقيات العالمية.
  • إنهاء العلاقة بشكل حاسم، عندما تكون العلاقة التجارية قد وصلت إلى نقطة اللاعودة، والهدف الأساسي هو الفصل في الحقوق والالتزامات دون النظر للمستقبل.
  • درجة عالية من التنظيم والإجراءات الواضحة، وتفضل إطارًا شبيهًا بالمحكمة لتسوية النزاع.

 ففي هذه الحالة يكون خيار التحكيم هو الحل المثالي لتسوية النزاعات في القضايا التجارية. 

توصيات هامة لإدارة النزاعات التجارية بفعالية

لضمان بيئة عمل مستقرة وتفادي التكاليف الباهظة والمخاطر المرتبطة بالنزاعات القانونية المطولة، يقدم لك خبراء مكتب سهل للمحاماة مجموعة من التوصيات الاستراتيجية التي يمكنك اعتمادها كصاحب عمل تجاري:

  1. الاستثمار في صياغة عقود واضحة وشاملة مع شريكك القانوني، وإدراج بنود تسوية المنازعات بهدف التقليل من الجدل حول الإجراءات عند وقوع الخلاف.
  2. التفكير في بنود تسوية متعددة المستويات، تبدأ بالتفاوض المباشر بين الأطراف، ثم الانتقال إلى الوساطة، والانتهاء باللجوء إلى التحكيم الملزم أو المحاكم كملاذ أخير.
  3. غالبًا ما تكون الوساطة هي الأنسب في البيئة السعودية، لأنها تركّز على إيجاد أرضية مشتركة وحلول ترضي جميع الأطراف وتحافظ على استمرارية العلاقات، وهو ما يتوافق مع التوجه الاجتماعي والتجاري السائد.
  4. عند اللجوء للتحكيم أو الوساطة، يفضل اختيار محكمين أو وسطاء لديهم فهم عميق للأنظمة السعودية والشريعة الإسلامية، بالإضافة إلى الخبرة في المجال التجاري للنزاع.
  5. الالتزام بتوثيق كافة الاتفاقيات والمراسلات والتعديلات والعروض كتابيا، وتطبيق نظام ممنهج لحفظ السجلات والإثباتات، حيث يكون هذا الأرشيف لا يقدر بثمن في إثبات موقفك بأي آلية لحل النزاع.
  6. تجنب تدمير أي وثائق قد تبدو غير مهمة فور ظهور بوادر نزاع، واستشارة محامين متخصصين بشأن نطاق الوثائق التي يجب حفظها.
  7. التصرف بحكمة عند ظهور النزاع، واستشارة المحامي مبكرًا لمنحك الوقت الكافي لوضع الاستراتيجية المناسبة، وتقييم الخيارات بموضوعية وتقدير التكاليف والمخاطر المحتملة لكل مسار حتى تتمكن من اتخاذ القرار الأكثر عقلانية.
  8. الالتزام بالسرية فيما يتعلق بتفاصيل النزاع أثناء المفاوضات أو الوساطة، خاصةً قبل الوصول إلى اتفاق نهائي، لحماية سمعتك وموقفك التفاوضي.
  9. لا تنظر عند تقييم خيارات حل النزاع، إلى التكاليف القانونية المباشرة فقط، بل احسب أيضًا تكلفة الوقت الضائع، والانشغال الإداري، والتأثير على السمعة، وخسارة الفرص التجارية، والأهم تأثير النزاع على العلاقات التجارية المستقبلية.
  10. في كثير من الأحيان، قد يكون قبول تسوية متوازنة من خلال الوساطة أو التفاوض ذا عائد اقتصادي أعلى على المدى الطويل من الفوز بقضية قضائية مكلفة وطويلة تدمّر العلاقة مع الطرف الآخر.

 

لماذا تحتاج إلى محامي متخصص في التحكيم والوساطة؟

لقد أصبح اللجوء إلى القضاء في بعض الأحيان يتسم بالطول والتعقيد والتكلفة الباهظة، وهنا تبرز الحكمة في الاستعانة بمحامي متخصص في الآليات البديلة لتسوية النزاعات وخاصة التحكيم والوساطة، لما في ذلك من إنقاذ للوقت والمال وحماية للحقوق وحفاظًا على العلاقات.

لا يقتصر دور المحامي المتخصص على تمثيل عملائه فحسب، بل يبدأ من اللحظة الأولى بتقييم جدوى الوساطة كمسار مناسب لحل النزاع، ويقدم للموكل رؤية قانونية واضحة حول حقوقه والتزاماته في هذا الإطار الودي، ثم صياغة اتفاق الوساطة بعناية، وهي الوثيقة التي تحدد قواعد الاتفاق وتضمن حقوق الموكل وتوضح دور الوسيط المحايد والإجراءات المتفق عليها.

للمحامي دور كبير خلال جلسات الوساطة، حيث يكون داعمًا قانونيًّا قويًّا، يقدم النصائح المناسبة، ويساعد في التفاوض بفاعلية للوصول إلى حلول مرضية تحافظ على مصالح الأطراف المتنازعة.

وفي حال الوصول إلى نقطة اتفاق، يتحول دور المحامي إلى ضمان نهائي عبر صياغة أو مراجعة اتفاق التسوية، ليكون وثيقة قانونية سليمة وقابلة للتنفيذ، تحول التفاهم الودي إلى التزام قانوني ملزم، مع الحرص على توافق كل ذلك مع أحكام الشريعة الإسلامية والأنظمة القانونية المعتمدة.

وقبل الدخول في أي نزاع، تكتسب الاستشارات القانونية في تسوية النزاعات أهمية استراتيجية، حيث يوجه المحامي المتخصص عملائه نحو الخيار الأمثل لموقفهم موضحًا لهم الفرق بين التحكيم والوساطة من حيث إجراءات ومتطلبات كل مسار.

وتقلل هذه الاستشارات من حدة التوتر، وتعزز فرص التواصل الفعال والتفاهم بين الأطراف منذ البداية.

في الختام، من الحكمة تعيين محامي خبير في التحكيم والوساطة، ليكون شريكك القانوني الذي يرشدك إلى المسار الأكثر فاعلية، ويدافع عن مصالحك خلال المفاوضات، ويضمن في نتائجها اتفاقًا قويًّا يحمي حقوقك ويحول دون تصاعد النزاع، وبالتالي يحول التحديات إلى فرص لحل ودي مستدام.


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.