لا يكمن الفرق بين التحكيم والوساطة في اختلاف المصطلحات فحسب، بل هو اختلاف جوهري في الماهية والنتائج، فهما خياران بالغا الأهمية في حسم النزاعات الناشئة في القضايا التجارية.
نسلط الضوء في هذا المقال على الخط الفاصل بين التحكيم والوساطة، انطلاقًا من تعريف كل آلية والطبيعة الإجرائية وحتى القوة التنفيذية للقرار الصادر عنهما.
وينبغي أن ننوه أن الفهم الجيد لهذه الفروق هو الخطوة الأولى نحو اختيار المسار الأنسب لحل النزاع، مع حفظ العلاقات التجارية وتحقيق العدالة المرجوة خارج قاعة المحكمة بأقل تكلفة وجهد.
لمعرفة الفرق بين التحكيم والوساطة، فإن أول ما نبدأ به هو التعريف القانوني لكل منهما، وبالتالي، يعد التحكيم وسيلة قانونية بديلة لتسوية النزاعات خارج نطاق القضاء، حيث يتفق الطرفان المتنازعان على عرض نزاعهما على محكم أو أكثر، يتصفون بالحياد والاختصاص.
تتميز عملية التحكيم بدرجة عالية من التنظيم، تشبه التقاضي في المحاكم من حيث اتباع إجراءات محددة، بما في ذلك عقد جلسات استماع رسمية يتم فيها تقديم الأدلة والوثائق والاستماع إلى شهادات الأطراف والشهود والخبراء، وذلك وفقًا للقواعد الإجرائية المتفق عليها مسبقًا أو المنصوص عليها في نظام التحكيم السعودي أو قواعد إحدى المؤسسات الدولية المتخصصة.
يصدر المحكّم أو هيئة المحكمين في نهاية الإجراءات حكمًا ملزمًا قانونًا للطرفين، يتم تنفيذه كحكم قضائي نهائي، لا يخضع للاستئناف إلا في حالات محدودة ونادرة ينص عليها النظام.
الوساطة هي إجراء طوعي بديل لتسوية النزاعات، يعمل فيه طرف ثالث محايد ومؤهل على تسهيل الحوار بين المتنازعين لمساعدتهم على التوصل بأنفسهم إلى حل مقبول ومشترك للنزاع.
في هذه الحالة، يقتصر دور "الوسيط" على التيسير واقتراح الحلول، دون أن تكون له سلطة فرض قرار أو إصدار حكم ملزم، وتظل السيادة الكاملة لقرار قبول أو رفض أي تسوية بين الأطراف، وتنتهي العملية بتوقيع اتفاق تسوية ودي بينهم إذا نجحوا، وهو اتفاق عادي تترتب عليه التزامات تعاقدية، وتعد الوساطة خيارًا مثاليًّا للحفاظ على العلاقات التجارية.
يختلف دور كل من المحكم والوسيط اختلافًا جوهريًّا في تسوية المنازعات التجارية، ويركز هذا الاختلاف بشكل أساسي على طبيعة سلطتهما ومصير القرار النهائي للنزاع. وفيما يتعلق بدور الوسيط، فهو طرف محايد ومؤهل، يعمل بشكل أساسي كمسهل للحوار ومنظم للتفاوض، بينما لا يملك سلطة فرض حل معين أو إصدار قرار ملزم، وبالتالي تنحصر وظيفته فيما يلي:

في هذه الحالة، تكون النتيجة النهائية في الوساطة هي اتفاق تعاقدي طوعي يبرمه الأطراف، وفشلها يعني عودة الأطراف إلى نقطة البداية، أو اللجوء إلى بدائل أخرى مثل: التحكيم أو التقاضي.
أما "المحكم" فهو طرف محايد ومتخصص، يتم تعيينه للفصل في النزاع وإصدار قرار يفصل فيه، وهنا يتحول المحكم إلى قاضٍ خاص بسلطات محدودة لكنها حاسمة، وتتمثل وظيفته فيما يلي:
وبناءً على ما سبق، يختار الأطراف التحكيم لما يتسم به المحكمون من خبرة متخصصة فنية أو قانونية في مجال النزاع، وبالتالي ضمان الفهم الدقيق لتعقيدات النزاع.
كما أن إمكانية تشكيل هيئة تحكيم مكونة من ثلاثة محكمين، تزيد من ثقة الأطراف في حيادية وموضوعية القرار الصادر، مما يجعل التحكيم خيارًا مثاليًّا للشركات التي تريد حلًّا سريعًا وفاصلًا يصدر عن خبراء.
لا يمكن أن نجزم بإجابة واحدة تناسب كافة الحالات، لأن الاختيار بين كل من التحكيم والوساطة يعتمد على عوامل متعددة، أهمها: طبيعة النزاع والأهداف الاستراتيجية للأطراف، لذا يمكن الاختيار بعد تقييم المعايير التالية:
ففي هذه الحالة يكون خيار الوساطة هو الحل المثالي لتسوية النزاعات في القضايا التجارية.
ففي هذه الحالة يكون خيار التحكيم هو الحل المثالي لتسوية النزاعات في القضايا التجارية.
لضمان بيئة عمل مستقرة وتفادي التكاليف الباهظة والمخاطر المرتبطة بالنزاعات القانونية المطولة، يقدم لك خبراء مكتب سهل للمحاماة مجموعة من التوصيات الاستراتيجية التي يمكنك اعتمادها كصاحب عمل تجاري:
لقد أصبح اللجوء إلى القضاء في بعض الأحيان يتسم بالطول والتعقيد والتكلفة الباهظة، وهنا تبرز الحكمة في الاستعانة بمحامي متخصص في الآليات البديلة لتسوية النزاعات وخاصة التحكيم والوساطة، لما في ذلك من إنقاذ للوقت والمال وحماية للحقوق وحفاظًا على العلاقات.
لا يقتصر دور المحامي المتخصص على تمثيل عملائه فحسب، بل يبدأ من اللحظة الأولى بتقييم جدوى الوساطة كمسار مناسب لحل النزاع، ويقدم للموكل رؤية قانونية واضحة حول حقوقه والتزاماته في هذا الإطار الودي، ثم صياغة اتفاق الوساطة بعناية، وهي الوثيقة التي تحدد قواعد الاتفاق وتضمن حقوق الموكل وتوضح دور الوسيط المحايد والإجراءات المتفق عليها.
للمحامي دور كبير خلال جلسات الوساطة، حيث يكون داعمًا قانونيًّا قويًّا، يقدم النصائح المناسبة، ويساعد في التفاوض بفاعلية للوصول إلى حلول مرضية تحافظ على مصالح الأطراف المتنازعة.
وفي حال الوصول إلى نقطة اتفاق، يتحول دور المحامي إلى ضمان نهائي عبر صياغة أو مراجعة اتفاق التسوية، ليكون وثيقة قانونية سليمة وقابلة للتنفيذ، تحول التفاهم الودي إلى التزام قانوني ملزم، مع الحرص على توافق كل ذلك مع أحكام الشريعة الإسلامية والأنظمة القانونية المعتمدة.
وقبل الدخول في أي نزاع، تكتسب الاستشارات القانونية في تسوية النزاعات أهمية استراتيجية، حيث يوجه المحامي المتخصص عملائه نحو الخيار الأمثل لموقفهم موضحًا لهم الفرق بين التحكيم والوساطة من حيث إجراءات ومتطلبات كل مسار.
وتقلل هذه الاستشارات من حدة التوتر، وتعزز فرص التواصل الفعال والتفاهم بين الأطراف منذ البداية.
في الختام، من الحكمة تعيين محامي خبير في التحكيم والوساطة، ليكون شريكك القانوني الذي يرشدك إلى المسار الأكثر فاعلية، ويدافع عن مصالحك خلال المفاوضات، ويضمن في نتائجها اتفاقًا قويًّا يحمي حقوقك ويحول دون تصاعد النزاع، وبالتالي يحول التحديات إلى فرص لحل ودي مستدام.
