11 قراءة دقيقة
26 Jan
26Jan

تعد قضية التعثر المالي للشركات ضمن التحديات القانونية والاقتصادية بالغة التعقيد، حيث تتداخل فيها مصالح متعددة ومتباينة، ويحتل الدائنون مكانةً محورية في هذه الإشكالية، لأنهم الفئة الأكثر تأثرًا بمخاطر التعثر المالي للشركة، والأكثر حاجةً للحماية القانونية التي تحفظ حقوقهم وتوازن بين عملية استرداد ديونهم واستمرارية النشاط الاقتصادي.

كما أن الدائنين يتنوعون ما بين دائنين تجاريين أو مصرفيين أو عاملين أو حملة السندات، الأمر الذي يستدعي تنظيمًا قانونيًّا دقيقًا يحدد أولويات الاستيفاء وضمانات التنفيذ.

وتتفاوت الأنظمة والتشريعات في تعاملها مع حقوق الدائنين في قضايا التعثر المالي، بين من يقدم حمايةً قويةً لهم، ومن يوازن بين مصلحتهم ومصلحة الشركة المتعثرة ككيان اقتصادي له دوره ومكانته في السوق.

نحلل في هذا المقال الإطار القانوني الذي ينظم حقوق الدائنين في قضايا التعثر المالي والآليات الكفيلة بحماية هذه الحقوق دون إغفال أهمية إنقاذ الشركات القابلة للاستمرار، بهدف تحقيق العدالة بين جميع الأطراف المعنية.

ما هو التعثر المالي للشركات؟

التعثر المالي للشركات هو وضع قانوني واقتصادي تصل فيه الشركة إلى حالة عجز مؤكد عن الوفاء بالتزاماتها المالية المستحقة، لا سيما الديون والتعهدات المالية الأخرى لدى حلول مواعيد استحقاقها.

ينجم هذا الوضع القانوني بشكل أساسي عن قصور في إدارة الدين والتدفقات النقدية، وقد لا تكتشف إدارة الشركة مؤشراته الخطيرة إلا بعد استحالة معالجته وتجنب عواقبه القانونية اللاحقة مثل إجراءات التصفية أو إشهار الإفلاس

أسباب التعثر المالي للشركات

تتعرض الشركات لمخاطر التعثر المالي نتيجة تداخل مجموعة عوامل داخلية تنبع من ممارسات الإدارة وقراراتها، وعوامل خارجية مرتبطة بالبيئة الاقتصادية ظروف السوق، وفيما يلي توضيح هذه العوامل:

أسباب التعثر المالي للشركات
  1. سوء الخطط التشغيلية والمالية وعدم الالتزام بها.
  2. سوء التعامل مع المشكلات اليومية، والتي تتسبب في اضطراب النشاط التشغيلي.
  3. تراجع الأرباح والتدفقات النقدية واللجوء إلى الديون أو بيع الأصول لسد الالتزامات العاجلة.
  4. تراكم الخسائر ونضوب السيولة، ومن ثم التعرض للإفلاس.
  5. عدم وجود موازنات تقديرية أو دراسات جدوى.
  6. الإفراط في الاقتراض وتجاهل المؤشرات المالية التحذيرية.
  7. الركود أو الأزمات الاقتصادية سواء المحلية أو العالمية.
  8. ارتفاع أسعار الفائدة وزيادة تكاليف الاقتراض.
  9. التضخم وانخفاض قيمة العملة.
  10. تقلبات السوق وعدم استقرار ظروفه.

 آثار التعثر المالي على الشركات

التعثر المالي، وهو أحد أبرز المخاطر التي تهدد استقرار واستمرارية الشركات في المملكة العربية السعودية، وقد يقود إلى الإفلاس والتصفية، كما ينص على ذلك نظام الإفلاس السعودي.

ووفقًا لتقارير اقتصادية، تؤدي حالة التعثر إلى شلل في النشاط التشغيلي نتيجة نقص السيولة، وبالتالي عدم القدرة على تمويل المخزون وتغطية النفقات الجارية، وضعف ثقة الموردين والشركاء، ومن ثم يدخل النشاط في حلقة مفرغة من التراجع.

 وفي الغالب، يدفع هذا الضغط المالي إلى تسريح العمالة أو تخفيض الاستثمارات في التدريب والتطوير، الأمر الذي يؤدي إلى ضعف رأس المال البشري والإنتاجية على المدى المتوسط. 

كما تشير الدراسات إلى أن الشركات المتعثرة تفقد جزءًا كبيرًا من حصتها السوقية لصالح منافسيها الأكثر استقرارًا، فضلًا عن سمعة الشركة التجارية التي تتضرر بشكل كبير، فتكون غير قادرة على جذب استثمارات جديدة أو الحصول على تمويل بشروط معقولة في السوق.

 لذا، يؤكد الخبراء على أهمية التشخيص المبكر لأعراض التعثر واتخاذ إجراءات سريعة تقلل من الآثار القانونية لعدم سداد الديون بما في ذلك إعادة الهيكلة المالية واللجوء إلى آليات التسوية الوقائية المنصوص عليها في النظام للحفاظ على قيمة المؤسسة وحماية اقتصاد المملكة من تداعيات إفلاس كياناتها التجارية.

كيف تحافظ على أموالك وقت تعثر الشركات

 الفرق بين التعثر والإفلاس

يمكن توضيح الفرق بين التعثر والإفلاس على النحو التالي:يقصد بالتعثر المالي أن يكون المدين -سواء كان شخصًا أو شركة- غير قادر على سداد ديونه في مواعيد استحقاقها، لكنه لا يزال يمتلك أصولًا أو إيرادات تكفي لمواجهة التزاماته إذا ما تمت إعادة هيكلتها، وتعد هذه المرحلة إنذارًا مبكرًا يسبق الإفلاس.

 أما الإفلاس، فهو الحالة القانونية الرسمية التي يعلن فيها القضاء عجز المدين التام عن الوفاء بديونه، الأمر الذي يستدعي التدخل النظامي لتصفية أصوله أو إعادة تنظيمها وفقًا لأحكام نظام الإفلاس السعودي، وذلك تحت إشراف المحكمة المختصة ولجنة الإفلاس.

التحديات التي قد يواجهها الدائنون في الأزمات المالية للشركات

رغم تطور النظام القانوني في السعودية ووضوحه في حل أزمات التعثر المالي للشركات وحماية حقوق الدائنين، إلا أنهم قد يواجهون عقبات عملية حقيقية عند التطبيق، أبرزها: 

  1. تزاحم المطالبات خاصةً مع كثرة الدائنين، الأمر الذي يؤدي إلى تقليل الحصص من الأصول المحدودة للشركة.
  2.  تقليص قيمة الأصول بسبب خصم التكاليف الإدارية والقضائية أولًا، وسداد الديون ذات الأولوية بما في ذلك أجور الموظفين والالتزامات الضريبية قبل توزيع الباقي على الدائنين العاديين.
  3. تعقيد الإجراءات القانونية حيث تمر بمراحل متعددة تتضمن إيداع المطالبات وإثباتها والاعتراضات والتصويت على خطط التسوية ومن ثم التوزيع النهائي للأصول.
  4. صعوبة إثبات الديون غير الموثقة بدقة أو المستحقة منذ فترة طويلة أمام المحكمة، مما يعرّض حقوق الدائن للضياع إذا لم يحافظ على مستنداته القانونية.
  5. قد تؤدي الأخطاء في ترتيب أولويات الدائنين أو التأخيرات الإدارية إلى إهمال بعض المطالبات أو تأخير استيفائها.

الإجراءات القانونية لمواجهة التعثر المالي للشركات في المملكة العربية السعودية

يشكل التعثر المالي تحديًا كبيرًا، يهدد استمرارية الشركات التجارية، ومع ذلك يتيح النظام السعودي للشركات المتعثرة عدة مسارات قانونية لحماية مصالحها واستدامة نشاطها، مع الحفاظ على مصالح وحقوق كافة الأطراف المعنية، وفيما يلي أبرز هذه الإجراءات:

التشخيص الدقيق وتحديد الأسباب

الخطوة الأساسية هي تحليل جذور المشكلة المالية، سواء أكانت ناجمة عن قصور داخلي في الإدارة والتمويل أو عن ظروف اقتصادية خارجية، وذلك لوضع خطة علاج مناسبة.

التفاوض والتسوية الودية مع الدائنين

يعد التفاوض المباشر مع الدائنين لجدولة أو تقسيط الديون المستحقة أحد الخيارات الأكثر فاعليةً من حيث التكلفة والسرعة، لتجنب التصعيد القضائي والحفاظ على العلاقات التجارية.

الوساطة والتصالح

اللجوء إلى آليات فض المنازعات البديلة مثل الوساطة لحل النزاعات مع الدائنين بشكل سريع مع السرية التامة، بما يضمن مصالح جميع الأطراف ويقلل من الأعباء المالية وإجراءات التقاضي الطويلة.

 إعادة هيكلة الديون والالتزامات المالية

تعمل هذه الآلية على إعادة ترتيب وتبسيط هيكل الديون ليكون متوافقًا مع القدرة المالية المتوقعة للشركة، وذلك من خلال الاتفاق مع الدائنين أو في إطار إجراءات وقف الادعاءات "حماية من الدائنين".

الاستفادة من آليات نظام الإفلاس السعودي

يقدم النظام خيارات وقائية واستباقية للشركة المتعثرة لتخفيف الآثار القانونية لعدم سداد الديون، وأبرزها: التسوية الوقائية التي تهدف إلى إعادة التنظيم المالي للشركة تحت إشراف قضائي لتمكينها من مواصلة نشاطها، وإجراءات وقف الادعاءات التي تهدف إلى منح الشركة فترة حماية مؤقتة تسمح لها بإعداد خطة لإعادة التنظيم دون ضغوط تنفيذية من الدائنين.

إدارة الالتزامات المالية

من الضروري الالتزام بأحكام نظام العمل السعودي وضمان حقوق الموظفين المالية، حيث يشكل الإخلال بهذه الالتزامات مخاطر قانونية إضافية قد تؤثر على مسار أي إعادة هيكلة مقترحة.

تحسين الحوكمة والإدارة المالية الداخلية

تقتضي الخطة الشاملة تعزيز الضوابط المالية الداخلية ومراجعة هياكل التكاليف لضمان الاستخدام الأمثل للموارد ووقف أسباب التعثر المالي، وهو إجراء أساسي لنجاح أي حلول خارجية. 

دور الدائنين في إجراءات إعادة الهيكلة

تهدف إجراءات إعادة الهيكلة إلى منح الشركة المتعثرة ماليًّا مهلة وحماية من الدعاوى والتنفيذ الفردي، لتمكينها من إعادة تنظيم أمورها المالية وعلاقتها بالدائنين بغرض الاستمرار، ويعد الدائنون طرفًا رئيسيًّا وأصيلًا في هذه الإجراءات، حيث يتوقف نجاحها غالبًا على إرادتهم وتصويتهم. 

في البداية يحق للدائنين طلب فتح إجراءات إعادة الهيكلة، إذا بلغت ديونهم معًا ما لا يقل عن 5% من مجموعة ديون المدين، وهذا يمنح الدائنين أداةً استباقية لحماية حقوقهم الجماعية. 

وبمجرد تقديم الطلب وقبوله أوليًّا من المحكمة، يجب على المدين أو من يفوضه إعداد قائمة كاملة بالدائنين وديونهم، كما يحق لأي دائن الاعتراض على هذه القائمة أو المطالبة بتصحيح وضعه خلال المهلة المحددة.

كذلك، يعتبر تصويت الدائنين الشرط الجوهري لإقرار خطة التسوية، وبالتالي يعد دورهم فاعلًا وحاسمًا في عملية الإنقاذ، يتمتع بحقوق التصويت والرقابة والاعتراض.

لماذا يعد الاستعانة بمحامٍ متخصص ضرورة حتمية عند التعثر المالي للشركات؟

في حال واجهت شركتك خطر التعثر المالي، فإن القرار الأكثر صوابًا هو التعاقد مع محامي معتمد ومتخصص في قضايا الشركات والقضايا التجارية لإنقاذ الشركة وحماية حقوق الدائنين والمحافظة على سمعتك التجارية. 

وفي ظل نظام الإفلاس السعودي الجديد، تحولت إجراءات إعادة الهيكلة من عملية تصفية إلى فرصة حقيقية للإنقاذ، وهنا يأتي دور المحامي والذي يضمن لك اختيار المسار القانوني الأمثل منذ اللحظة الأولى، ووضع خطة استباقية وشاملة، وتمثيلك في إجراءات التسوية وإعداد خطة إعادة الهيكلة المتوافقة مع النظام بهدف استمرار نشاطك التجاري. 

يتولى المحامي أيضًا مهمة التفاوض مع الدائنين بلغة القانون والاقتصاد، لشرح وضعك وإقناعهم بالموافقة على الخطة التي تحقق أكبر قدر من استرداد ديونهم على المدى الطويل بدلًا من خسارة معظمها في التصفية.

 أما فيما يتعلق بحماية حقوق الدائنين في قضايا التعثر المالي وهو ما يهمك كطرف مسؤول، فإن وجود محامي متخصص يضمن تطبيق الإجراءات بدقة وشفافية، بما في ذلك إعلان الدائنين بشكل صحيح وضمان التصويت العادل على خطة التسوية وفق الآليات القانونية، كما يعمل كحلقة وصل موضوعية بينك وبين الدائنين، مما يحد من النزاعات الفردية، ويدفع نحو حل جماعي منظم.

وهذا النهج لا يحافظ على مستوى ثقة الدائنين فحسب، بل يحميك بشكل شخصي من التعرض لأي مسائلات قانونية محتملة عن سوء الإدارة أو التمييز بين الدائنين.

باختصار، لا تعتقد أن الاستثمار في استشارة قانونية متخصصة أثناء التعثر المالي للشركات هو تكلفة، بل هو صمام أمان يحوّل مسار الشركة من الهاوية إلى بر الأمان، ويحافظ على علاقاتك مع الممولين والموردين، ويؤسس لحلول مستدامة تحقق الاستقرار للشركة، وتضمن استرداد حقوق الدائنين بأقصى قدر ممكن في إطار قانوني سليم يحمي جميع الأطراف.


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.