29 قراءة دقيقة
22 Feb
22Feb

في ظل النهضة الاقتصادية التي تشهدها المملكة تحت مظلة رؤية 2030، يبرز نظام الشركات الجديد كأداة مرنة لتعزيز التنافسية. ومع هذه المرونة، يظل عقد الشركة قائماً على أركان موضوعية جوهرية، أبرزها "نية المشاركة" و"اقتسام الأرباح والخسائر". 

وهنا يظهر التحدي القانوني فيما يُعرف بـ "شرط الأسد"، وهو بند تعسفي يسعى من خلاله الطرف الأقوى إلى الاستئثار بالأرباح أو الإعفاء من الخسائر، مستغلاً مبدأ "سلطان الإرادة".

يضرب هذا الشرط ركن الشركة في مقتل، فوفقاً للمادة الثانية من نظام الشركات السعودي، يقوم الكيان القانوني على مساهمة الأطراف في مشروع يستهدف الربح مع تحمل المخاطر.

 لذا، فإن أي بند يقصي شريكاً من الربح أو يحصنه ضد الخسارة يُعد نقيضاً لعقد الشركة ويحوله إلى نوع من الاستغلال.

وقد كان المنظم السعودي حازماً، إذ يترتب على وجود هذا البند بطلانه مع صحة العقد في أغلب الحالات لضمان استقرار الشركات، مما قد يؤدي لإعادة توزيع الحصص بما يخالف تطلعات الشريك المسيطر. 

ولتجنب هذا الفخ، يتطلب الأمر صياغة قانونية محكمة تفرق بين "الامتيازات المشروعة" وبين "الإقصاء التام" المحظور.

يتناول هذا المقال شرحاً دقيقاً لمفهوم شرط الأسد، وصوره التطبيقية، وكيفية صياغة عقود استثمارية توازن بين المرونة وحماية الحقوق دون الوقوع في مقصلة البطلان.

شرط الأسد

شرط الأسد: حين يغيب التوازن ويُبطل جوهر المشاركة

أولاً: مفهوم "شرط الأسد"

يُمثل شرط الأسد في الفقه القانوني الحديث أحد أبرز العيوب التي قد تشوب الركن الموضوعي الخاص لعقد الشركة. هو ذلك البند التعاقدي الذي يختل معه ميزان العدالة التبادلية اختلالاً جسيماً، بحيث يُعطى لأحد الشركاء ميزة استئثارية مطلقة أو يُلقى على عاتقه عبء مالي منفرد، بما يتنافى مع فلسفة "المشاركة" التي قام عليها الكيان التجاري.

1- التعريف المبسط

إذا أردنا تبسيط المفهوم بعيداً عن التعقيد، يمكننا تعريف شرط الأسد بأنه "كل شرط يدرج في عقد تأسيس الشركة أو نظامها الأساسي، يقضي بإعفاء أحد الشركاء من المساهمة في الخسائر إعفاءً كلياً، أو منحه نصيباً من الأرباح يخرج عن نطاق المنطق الاستثماري ليصبح استئثاراً كاملاً، أو حرمانه من أي ربح رغم مساهمته في رأس المال".

بمعنى آخر، هو تحويل عقد الشركة من "عقد احتمالي" يتساوى فيه الشركاء في مواجهة مخاطر السوق، إلى "عقد إذعان" أو "هبة مقنعة" يستفيد منها طرف على حساب استنزاف الأطراف الأخرى. وفي الأنظمة المقارنة، ومنها النظام السعودي، يُنظر إلى هذا الشرط بوصفه شرطاً باطلاً بطلاناً مطلقاً؛ لأنه يصطدم بجوهر العقد ذاته.

ثانياً: لماذا يُعد شرط الأسد مجحفاً ومخالفاً لطبيعة الشركة؟

إن تكييف هذا الشرط بوصفه "شرطاً باطلاً" لم يأتي من فراغ، بل يستند إلى أسس قانونية واقتصادية متينة تجعل من وجوده تهديداً لكيان الشركة:

1- الاخلال بـ "نية المشاركة"

عقد الشركة ليس مجرد وسيلة لجني المال، بل هو اتحاد إرادات تهدف إلى التعاون لتحقيق غرض مشترك. عندما يُعفى شريك من الخسارة، فإنه يفقد الحافز والدافع للحرص على مصلحة الشركة، إذ يصبح في مأمن من الفشل، وهذا يقتل "روح المشاركة".

 فالشريك الذي لا يخشى الخسارة لن يبذل الجهد ذاته الذي يبذله من يخاطر بماله، مما يؤدي إلى فساد الإدارة وتضارب المصالح.

2- انتفاء الركن المادي (اقتسام الربح والخسارة)

تتمثل طبيعة الشركة في كونها "مجتمع مصالح" يرتبط فيه الربح بالمخاطرة. القاعدة الفقهية الإسلامية التي يستند إليها النظام السعودي تقول: "الغنم بالغرم"؛ أي أن الحق في الحصول على الأرباح مرتبط بالاستعداد لتحمل التبعات والخصوم.

 شرط الأسد يكسر هذه القاعدة، فهو يجعل "الغنم" لطرف و"الغرم" لطرف آخر، مما يُخرج العقد من تصنيف "الشركة" ليدخل في تصنيفات أخرى قد تكون أقرب إلى القروض الربوية أو عقود التبرع، وكلاهما لا يتوافق مع الغرض التجاري للشركات.

3- الإخلال بمبدأ المساواة القانونية

تمنح الشخصية الاعتبارية للشركة حماية لكافة الشركاء، وشرط الأسد يمثل استغلالاً لهذه الشخصية لتحقيق مآرب شخصية لشركاء متنفذين.

 هذا الإجحاف يؤدي إلى زعزعة الثقة في البيئة الاستثمارية، فالمستثمر (خاصة الصغير أو الأقل نفوذاً) يحتاج إلى ضمانات بأن مساهمته ستقابلها عدالة في التوزيع، وبدون حظر شرط الأسد، ستتحول الشركات إلى أدوات للاستقواء المالي بدلاً من أن تكون أدوات للتنمية الاقتصادية.

4- حماية الائتمان العام وحقوق الغير

الشركات في السعودية تتعامل مع الغير (بنوك، موردين، عملاء). عندما يتم إعفاء شريك من الخسارة، فإن ذلك قد يؤثر على الملاءة المالية للشركة وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها، مما يضر بالائتمان العام. فالنظام يتدخل هنا لحماية "النظام العام الاقتصادي" وليس فقط حماية الشركاء فيما بينهم.

المرجعية القانونية لشرط الأسد في القانون السعودي

لا يُعد حظر شرط الأسد في المملكة مجرد اجتهاد فقهي، بل هو عقيدة تشريعية راسخة تجسدت في نصوص نظام الشركات الجديد. لقد وضع المشرع السعودي حداً فاصلاً بين "حرية التعاقد" وبين "المساس بجوهر الشراكة"، معتبراً أن أي إخلال بمبدأ التوازن المالي للشركاء هو إخلال بالنظام العام الذي تقوم عليه التنمية الاقتصادية.

أولاً: تعريف الشركة في النظام: عقد قوامه المشاركة لا الاستغلال

استهل المنظم السعودي تعريفه للشركة في المادة الثانية من نظام الشركات، بأنها "كيان قانوني يؤسس وفقاً لأحكام النظام بناءً على عقد تأسيس أو نظام أساسي يلتزم بمقتضاه شخصان أو أكثر بأن يساهم كل منهم في مشروع يستهدف الربح بتقديم حصة من مال أو عمل أو منهما معاً، واقتسام ما ينشأ عن هذا المشروع من ربح أو خسارة"

.هذا التعريف ليس مجرد ديباجة إنشائية، بل هو "قيد موضوعي" يحدد ماهية الشركة. 

فبمجرد أن يتفق الأطراف على استبعاد أحدهم من الربح أو الخسارة، يخرج العقد من نطاق "الشركة" ليصبح عقداً آخر (كالقرض أو التبرع)، وهو ما يرفضه المنظم في سياق العمل التجاري المؤسسي.

 فالمشاركة في "الخسارة" هي الاختبار الحقيقي لجدية الشريك، والمشاركة في "الربح" هي الحافز القانوني المصون لتلك الشراكة.

ثانياً: المادة 23: مقصلة الشروط المجحفة

تعتبر المادة الثالثة والعشرون من نظام الشركات السعودي هي "النص القاطع" في مواجهة شرط الأسد.

فقد نصت صراحةً على بطلان كل شرط يتضمن حرمان الشريك من الربح أو إعفاءه من الخسارة.وهنا تبرز عدة نقاط قانونية في غاية الأهمية:

§    بطلان الشرط لا العقد: كقاعدة عامة، يحرص المنظم السعودي على "استبقاء" الكيان القانوني للشركة، لذا فإن وجود شرط الأسد يؤدي إلى بطلان البند ذاته مع بقاء عقد الشركة صحيحاً، ويتم توزيع الأرباح والخسائر في هذه الحالة وفقاً لحصص الشركاء في رأس المال، ما لم ينص عقد التأسيس على نسب أخرى عادلة.

§    الشمولية: يسري هذا الحظر على كافة أنواع الشركات، سواء كانت شركات مساهمة أو شركات ذات مسؤولية محدودة أو شركات تضامن، مما يعكس رغبة المشرع في توحيد المعايير الأخلاقية والمهنية في بيئة الأعمال.

ثالثاً: الاستثناء القانوني الوحيد: "شريك العمل" وفلسفة الحماية

رغم الحظر الشديد لشرط الأسد، أورد المنظم استثناءً منطقياً وعادلاً في الفقرة الثانية من المادة 23، يتعلق بـ "شريك العمل". فقد أجاز النظام الاتفاق على إعفاء الشريك الذي لم يقدم غير عمله من المساهمة في الخسارة بشرط ألا يكون قد تقرر له أجر عن عمله.

لماذا يُسمح بهذا الاستثناء؟ وكيف لا يُعد شرط أسد؟ السبب يكمن في طبيعة "الحصة". فشريك العمل قد خسر فعلياً مجهوده ووقته الذي بذله طوال العام في حال لم تحقق الشركة أرباحاً، فلو ألزمناه أيضاً بمساهمة نقدية في الخسارة، لكان ذلك "ازدواجاً في الغرم" عليه.

ولكن، لهذا الاستثناء شروط دقيقة لضمان عدم استغلاله:

§    الاقتصار على حصة العمل: يجب ألا يكون الشريك قد قدم حصة نقدية أو عينية بجانب عمله. فإذا قدم "مالاً وعملاً"، فإنه يُعفى من الخسارة بقدر "عمله" فقط، ويتحملها بقدر "ماله".

§    عدم الإعفاء من الربح: لا يجوز بأي حال من الأحوال حرمان شريك العمل من الربح، فإذا وُجد شرط يحرمه من الربح، عاد الشرط "أسدياً" باطلاً.

§    انتفاء الخطأ الجسيم: في الممارسة العملية، قد يُسأل شريك العمل عن الخسارة إذا كانت ناتجة عن تقصيره الفادح أو مخالفته لنظام الشركة، وهنا ننتقل من دائرة "توزيع المخاطر" إلى دائرة "المسؤولية التقصيرية".

إن هذا البناء القانوني المتين في النظام السعودي يضمن بقاء الشركات كأدوات "تشاركية" حقيقية، تمنع القوي من افتراس الضعيف تحت غطاء العقود، وتجعل من "الخطر التجاري" هماً مشتركاً يدفعه الجميع ويجني ثمار تجنبه الجميع.

الصور العملية لشرط الأسد في عقود الشركات

في الممارسة العملية، نادراً ما يكتب الشركاء "شرط أسد" بصيغة بدائية، بل يتم تغليفه ببنود فنية تهدف إلى حماية طرف على حساب استنزاف الآخر. المنظم السعودي، وعبر المادة (23)، وضع معياراً جوهرياً لكشف هذه الشروط: "كل ما يؤدي إلى حرمان الربح أو الإعفاء من الخسارة هو باطل". وفيما يلي شرح لأبرز هذه الصور:

أولاً: صور الإخلال المباشر بمبدأ "المخاطرة المشتركة"

تتصادم هذه الصور مباشرة مع نص المادة (23/1)، وتأخذ عدة أشكال في العقود:

صور الإخلال المباشر بمبدأ المخاطرة المشتركة
  • الحرمان الكلي من الربح: كأن يُنص على أن الشريك "أ" يساهم بالحصة، ولكن الأرباح تؤول لغيره لمدة معينة أو طوال حياة الشركة. هذا الشرط يُفرغ عقد الشركة من غايته الاستثمارية.
  • الإعفاء الكلي من الخسارة: وهو الصورة الأكثر شيوعاً، حيث يُنص على أن الشريك (الممول غالباً) لا يتحمل أي خسارة مادية، بل تقع كاملة على عاتق الشركاء الآخرين.
  • انفراد شريك بالخسائر: وهي صورة عكسية مجحفة، حيث يُحمل أحد الشركاء كافة ديون الشركة تجاه الغير، مما يحرر البقية من أي مسؤولية مالية عن فشل المشروع.

ثانياً: ضمان العائد الثابت واسترداد رأس المال (التحايل المالي)

من أخطر الصور الخفية التي تراقبها المحاكم التجارية هي "ضمان عائد سنوي مقطوع" (مثلاً: ضمان ربح 100 ألف ريال سنوياً للشريك "ب " بغض النظر عن نتيجة أعمال الشركة).

 هذا البند يحول العلاقة من "شراكة" إلى "قرض بفوائد مستترة"، وهو ما يرفضه النظام، لأن الربح يجب أن يكون نسبياً ومرتبطاً بوجود ربح حقيقي أولاً.كذلك، يبرز الشرط في صورة "تعهد باسترداد رأس المال كاملاً عند التصفية" دون تأثره بالخسائر التي قد تأكل أصول الشركة.

 هذا الضمان يجعل صاحبه في مركز "الدائن" وليس "الشريك"، وهو ما يتنافى مع مبدأ "الغنم بالغرم" الذي تحميه المادة (23).

ثالثاً: التمييز بين "شرط الأسد" و"الأسهم الممتازة"

هنا يظهر الذكاء التشريعي في النظام السعودي الجديد؛ حيث منح البديل القانوني للتفاوض التجاري دون الوقوع في البطلان:المادة (108) من نظام الشركات أجازت للشركة أن تنص في نظامها الأساسي على فئات متنوعة من الأسهم، ومنها "الأسهم الممتازة"

التي ترتب لأصحابها حقوقاً تفضيلية على الأسهم العادية، ولا تعطي تلك الأسهم أصحابها حق التصويت في الجمعيات العامة للمساهمين.الفرق القانوني الحاسم هو "أولوية" وليس "إعفاءً مطلقاً".

 فصاحب السهم الممتاز له حقوق تفضيلية، ولكنه لا يُعفى من الخسارة إذا غرقت الشركة، بل يتأثر بها كغيره.

رابعاً: التحايل بالصياغة: الاسقف التوزيعية والتفضيل المطلق

يحاول البعض الالتفاف عبر وضع "سقف للأرباح" لشريك معين مقابل ترك الفائض لشركاء آخرين، أو استخدام صيغ "التفضيل المطلق" التي تمنح شريكاً 99% من الأرباح مقابل مساهمة بسيطة جداً لا تبرر هذا التفاوت. 

في هذه الحالات، ينظر القضاء السعودي إلى "المقاصد والمعاني"؛ فإذا تبين أن الهدف هو إقصاء الشريك فعلياً من الربح أو الخسارة، طُبق حكم البطلان الوارد في المادة (23).

الفرق بين "التفاوت المشروع" و"شرط الأسد" في توزيع الأرباح

يخطئ البعض حين يظن أن نظام الشركات السعودي يفرض مساواة حسابية جامدة في توزيع الأرباح، فالحقيقة أن المنظم منح الشركاء مرونة واسعة في هندسة توزيعاتهم المالية، شريطة ألا تؤدي هذه المرونة إلى هدم ركن "المشاركة" الأصيل.

إن الفارق بين التوزيع غير المتساوي المشروع وبين شرط الأسد الباطل هو فارق في "الدرجة" و"الماهية".

أولاً: متى يكون اختلاف نسب الأرباح جائزاً ونظامياً؟

الأصل في نظام الشركات هو حرية المتعاقدين في تحديد نسب توزيع الأرباح والخسائر في عقد التأسيس، ولا يُشترط أن تتطابق هذه النسب مع حصصهم في رأس المال، وهو ما يُعرف بـ "التفاوت المشروع". ويكون هذا الاختلاف جائزاً في الحالات التالية:

§    تفاوت الحصص والجهود: قد يساهم شريك بنسبة 20% من رأس المال، ولكن يُتفق على منحه 40% من الأرباح نظير خبرته الفنية أو علاقاته الاستراتيجية التي تجلب العقود للشركة.

 هذا التفاوت صحيح طالما أن الشريك الآخر (الذي قبل بنسبة أقل) لا يزال يحصل على نصيب "معتبر" من الربح.

§    تفعيل المادة 108 (فئات الأسهم): أجاز النظام كما ذكرنا سابقاً منح "أولوية" لفئة معينة. فمن يملك "أسهمًا ممتازة" قد يحصل على نسبة من الأرباح قبل المساهمين العاديين، أو يحصل على نسبة أعلى مقابل تنازله عن حق التصويت.

 هنا، التفاوت نابع من "طبيعة السهم" وليس رغبة في إقصاء الآخرين.

§    مبدأ "الغنم بالغرم" النسبي: يجوز أن يتحمل الشريك نسبة خسارة أكبر مقابل نسبة ربح أكبر، طالما أن كلا الطرفين يشارك في "مطلق" الربح والخسارة.

ثانياً: متى يتحول التفاوت إلى "حرمان/إعفاء" (فخ شرط الأسد)؟

يتحول التفاوت من ممارسة تجارية مشروعة إلى "شرط أسد" باطل بموجب المادة 23 إذا تجاوز حدود التفضيل ووصل إلى حد "الاستئصال". ونستطيع ضبط ذلك عبر معيارين:

  • معيار الإقصاء الكلي: إذا أدت الصياغة إلى أن نصيب أحد الشركاء من الربح هو (صفر) دائماً وأبداً، أو أن مسؤوليته عن الخسارة هي (صفر) في كل الأحوال. هنا نكون أمام شرط أسد فج يبطل نظاماً.
  • معيار الربح الصوري/الضئيل: يذهب بعض الفقهاء القانونيين والقضاة إلى أن منح الشريك نسبة "ضئيلة جداً" لا تتناسب مطلقاً مع حجم استثماره أو مجهوده (مثلاً: 0.001% مقابل حصة تبلغ نصف رأس المال) قد يُكيف كشرط أسد مستتر؛ لأنه "حرمان فعلي" مغلف بصورة ربح وهمي، والهدف منه الالتفاف على المنع النظامي.
  • عزل الشريك عن المخاطرة: إذا وُجد بند ينص على أن الشريك "يستحق أرباحاً دورية سواء ربحت الشركة أو خسرت"، فهنا تحولت العلاقة من "شراكة" إلى "مديونية"، وهو ما يقلب طبيعة عقد الشركة ويجعله شرطاً باطلاً.

ولعل الخلاصة إن معيار التفرقة يكمن في "بقاء احتمالية الربح والخسارة" لكل شريك، فالمساواة ليست مطلوبة في المقدار (كم يأخذ؟)، بل في المبدأ (هل يخضع للمخاطرة؟).

 طالما أن الشريك معرض لخسارة حصته في حال تعثر الشركة، وطالما أن له أملاً في الربح (حتى لو كان يسيراً) في حال نجاحها، فإننا نكون في دائرة التوزيع غير المتساوي المشروع. 

أما إذا انقطع الرابط بين مجهود الشريك وبين نتيجة الشركة، فقد وقعنا في "شرط الأسد".

الأثر القانوني لشرط الأسد

إن الغاية الأسمى لنظام الشركات السعودي الجديد هي الحفاظ على "استمرارية الكيانات الاقتصادية"؛ لذا لم يترك المنظم مصير الشركة للعدم عند وجود شرط مجحف، بل وضع معالجة قانونية دقيقة توازن بين العدالة والاستقرار.

أولاً: بطلان الشرط أم بطلان العقد؟

وفقاً للقواعد المستقرة في المادة الثالثة والعشرين، فإن الجزاء القانوني المترتب على إدراج "شرط الأسد" هو بطلان الشرط وحده وصحة العقد.

 وهذا يعني أن الشركة تظل قائمة قانوناً، وتستمر شخصيتها الاعتبارية في ممارسة نشاطها، ولا يجوز لأي شريك المطالبة بفسخ الشركة أو بطلان تأسيسها بحجة وجود هذا الشرط، إلا إذا ثبت أن هذا الشرط كان هو "الدافع الوحيد والأساسي" للتعاقد بحيث لا يمكن تصور قيام الشركة بدونه، وهو أمر نادر الإثبات في القضاء التجاري.

ثانياً: كيف توزع الأرباح والخسائر بعد البطلان؟

بمجرد صدور حكم قضائي ببطلان "شرط الأسد"، ينتقل توزيع الأرباح والخسائر من "إرادة الشركاء المعيبة" إلى "إرادة المنظم"؛ حيث يتم الآتي:

  • الرجوع لنسبة الحصص: تُوزع الأرباح والخسائر على الشركاء بنسبة حصة كل منهم في رأس المال، باعتباره المعيار العادل الذي يعكس حجم المساهمة والمخاطرة.
  • إعادة المسحوبات: قد يترتب على البطلان إلزام الشريك "الأسدي" برد ما قبضه من أرباح زائدة عن نصيبه العادل، أو المساهمة في خسائر كان قد أُعفي منها سابقاً.

بذلك، يضمن النظام حماية الطرف الأضعف وإعادة التوازن المالي للشركة، مما يعزز من ثقة المستثمرين في أن القضاء السعودي هو الحارس الأمين لمبدأ المساواة القانونية.

فن الصياغة التعاقدية (من فخ الأسد إلى أمان النظام)

يكمن الفرق بين عقد مستدام وعقد مهدد بالبطلان في اختيار الكلمات والمصطلحات القانونية التي تحقق الهدف الاستثماري دون المساس بجوهر المشاركة.

 فبينما يركز "شرط الأسد" على الإعفاء المطلق، يركز البديل الآمن على الأولوية التفضيلية.

أولاً: نماذج لصياغات تؤدي للبطلان

  • صيغة الإعفاء:

"يتحمل الطرف الأول (الشريك المدير) كافة الخسائر المادية التي قد تنشأ عن نشاط الشركة، ويُعفى الطرف الثاني (الشريك الممول) من أي مساهمة في تلك الخسائر".

النتيجة: باطل لمخالفته ركن تحمل الخسارة.

  • صيغة الربح المقطوع:

"يلتزم الشركاء بدفع مبلغ قدره (50,000) ريال سنوياً كربح ثابت للطرف الثاني بصفته شريكاً، بغض النظر عن صافي أرباح أو خسائر الشركة".

النتيجة: باطل لأنه يحول الشريك إلى دائن ويضمن له الربح حتى في حالة الخسارة.

ثانياً: بدائل آمنة تحقق الحماية دون إقصاء

  • - بديل صيغة الإعفاء:

"تُمنح حصة الطرف الثاني أولوية في استرداد مساهمته عند تصفية الشركة، وذلك من صافي الأصول المتبقية بعد سداد جميع الديون والالتزامات، دون أن يترتب على ذلك إعفاؤه من تحمل الخسائر وفق نسبته في رأس المال."لماذا هو آمن؟ لأنها تمنح أولوية في الترتيب فقط، ولا تعفي الشريك من الخسارة أو تجعله في مركز الدائن.

  • بديل صيغة الربح المقطوع:

"يستحق الطرف الثاني أولوية في الحصول على نسبة (5%) من صافي الأرباح السنوية القابلة للتوزيع وفق القوائم المالية المعتمدة، وفي حال عدم تحقق أرباح فلا يستحق أي توزيع عن تلك السنة."لماذا هو آمن؟ لأنه ربط الاستحقاق بوجود أرباح فعلية، ولم يضمن عائدًا ثابتًا مستقلًا عن نتيجة النشاط.

كيف تتجنب "فخ الأسد" قبل توقيع العقد؟

إن تجنب بطلان العقود يبدأ من مرحلة "الفحص النافي للجهالة" لبنود التوزيع المالي. إليك قائمة المراجعة الأساسية لضمان توافق عقدك مع نظام الشركات السعودي:

أولاً: نقاط مراجعة ذهبية قبل التوقيع:

  • اختبار "ماذا لو خسرت الشركة؟": اسأل نفسك: هل يوجد شريك في العقد لن ينقص من ماله ريال واحد إذا خسرنا؟ إذا كانت الإجابة "نعم"، فأنت أمام شرط أسد باطل.
  • معيار الربح المشروط: تأكد أن الحصول على أي ميزة مالية مرتبط بوجود "صافي أرباح محققة" وليس مجرد مبلغ ثابت يُدفع كالتزام مالي.
  • تحليل "الميزة النسبية": لا مانع من تمييز شريك، لكن يجب أن يظل لبقية الشركاء نصيب حقيقي (ولو بنسبة أقل) في الأرباح لضمان بقاء "نية المشاركة".

ثانياً: بنود يجب الحذر من صياغتها:

  • بند "ضمان رأس المال": احذر من صياغة تضمن استرداد قيمة الحصة كاملة عند التصفية دون تحمل أعباء الديون؛ استبدلها بـ "أولوية التصفية".
  • بند "المبالغ المقطوعة": تجنب تحديد أرباح بمبالغ ثابتة (مثلاً 20 ألف ريال شهرياً)؛ واستبدلها بـ "نسبة مئوية" من الأرباح القابلة للتوزيع.
  • بند "التفويض المطلق": انتبه من منح شريك واحد حق تقرير توزيع الأرباح من عدمه بشكل منفرد ومطلق قد يؤدي لحرمان الآخرين فعلياً.

الأسئلة الشائعة حول شرط الأسد في نظام الشركات السعودي

هل يجوز إعفاء شريك من الخسارة؟

لا يجوز إعفاء أي شريك من الخسارة، ويُعد الشرط باطلاً لمخالفته نظام الشركات. ويُستثنى فقط شريك العمل إذا لم يقدم سوى عمله ولم يتقاضَ أجراً.

ما حكم الاتفاق على ربح ثابت؟

لا يجوز تحديد ربح ثابت أو مبلغ مضمون للشريك بغض النظر عن نتائج الشركة، لأن الربح يجب أن يكون نسبة من أرباح فعلية ومتحققة.

ما وضع شريك العمل في الشركة؟

شريك العمل يستحق نصيبًا من الأرباح وفق الاتفاق، ويجوز إعفاؤه من الخسارة إذا لم يقدم مالًا. ولا يجوز حرمانه من الربح.

هل يمكن الاتفاق على نسب أرباح مختلفة جدًا؟

نعم، يجوز التفاوت في نسب الأرباح حتى لو كانت كبيرة، بشرط ألا يُحرم شريك من الربح أو يُعفى من الخسارة كليًا.

هل يسري حظر شرط الأسد على جميع أنواع الشركات؟

نعم، ينطبق الحظر على جميع أنواع الشركات في النظام السعودي، لأنه متعلق بجوهر عقد الشركة وليس بنوعها.

ختامًا: الاستثمار الآمن يبدأ بصياغة صحيحة

إن شرط الأسد ليس مجرد خطأ في الصياغة، بل قد يكون ثغرة قانونية تهدد استقرار الشركة وتفتح باب النزاعات وإعادة توزيع الحقوق بأحكام قضائية غير متوقعة. وفي بيئة استثمارية تتسارع فيها الفرص تحت مظلة رؤية 2030، لم تعد العقود تُكتب بروح المجاملة أو الثقة المجردة، بل بمنهج قانوني احترافي يوازن بين الطموح والمخاطرة، وبين الامتياز المشروع والبطلان القانوني.

إن حماية استثماراتكم لا تتحقق فقط بحسن النية، بل بحسن الصياغة. لذلك فإن الاستعانة بمختصين قانونيين ذوي خبرة في نظام الشركات السعودي تمثل خطوة استراتيجية لا شكلية؛ فـ المستشار القانوني لا يراجع البنود فحسب، بل يبني هيكلًا تعاقديًا متينًا يمنع النزاع قبل وقوعه.وفي مكتب سهل للمحاماة، نعمل على تصميم عقود تأسيس واتفاقيات شركاء متوافقة مع النظام، تحقق أهداف المستثمرين دون الوقوع في فخ الشروط الباطلة، مع صياغات احترافية تضمن العدالة والاستدامة. فاستقرار شركتك يبدأ من عقدها… والعقد السليم يبدأ باختيار المستشار الصحيح.


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.